تستضيف أنقرة هذا الأسبوع القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، يومي 7 و8 تموز، وسط ملفات ثقيلة تمتد من أوكرانيا إلى الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصولاً إلى العمليات العسكرية في أميركا الجنوبية.
وتأتي القمة في لحظة يعاد فيها رسم البنية الأمنية الأوروبية، فيما يشهد الشرق الأوسط تحولات واسعة، وتتزايد التوترات داخل العلاقة عبر الأطلسي.
وتحضر مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقوة في أجواء القمة، بعدما أثارت تصريحاته وسياساته قلق عدد من الحلفاء، خصوصاً في أوروبا، بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للدفاع عنهم في حال تعرضهم لهجوم من خصوم كبار مثل روسيا أو الصين.
وقبل أيام من القمة، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن “استمرار الولايات المتحدة في هذا المسار الأحادي الجانب أمر سخيف، ما دامت العلاقة ليست متبادلة”، قبل أن يشير إلى إيران قائلاً: “لم يكونوا معنا!”.
ورغم أن ترامب لم يتخل صراحة عن “الناتو”، فإنه ينظر إلى التزامات واشنطن داخل الحلف كعبء، وانتقد أعضاءه لعدم المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز بعد الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران. وبلغ استياؤه حد القول إنه ما كان ليحضر القمة شخصياً لولا دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان له.
ويأمل المتفائلون أن تتحول قمة أنقرة إلى فرصة لإظهار وحدة الحلف، وفتح الباب أمام صيغة جديدة من “الناتو”. في المقابل، يرى آخرون أن نجاح القمة قد يقتصر على عبورها من دون صدامات كبيرة خلال ولاية ترامب.
ومن أولويات الأمين العام للحلف مارك روته تخفيف التوتر بين واشنطن وأوروبا، بمساعدة أردوغان الذي تربطه علاقة جيدة بترامب. لكن أي أجواء إيجابية محتملة في أنقرة لن تعني بالضرورة أن الخلافات داخل الحلف قد انتهت.
ولا يُتوقع صدور إعلانات كبيرة خلال القمة، لكن المشاركين قد يعيدون تأكيد التزامهم بالمادة الخامسة، التي تشكل جوهر معاهدة عام 1949، وتنص على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجوماً على جميع الأعضاء.
كما يبرز الحديث عن “الناتو 3.0″، وهو مفهوم يعبّر عن مرحلة جديدة يصبح فيها الحلف أقل اعتماداً على الولايات المتحدة، مع الحفاظ على أساسه الدفاعي التقليدي.
ومن المنتظر أن يجدد الحلف دعمه لأوكرانيا، بعدما تولى تنسيق المساعدات العسكرية والتدريب وأشكال الدعم الحيوية الأخرى لكييف. في المقابل، يسعى ترامب إلى تقليص العبء الأميركي في الأمن
الأوروبي ودفع أوروبا إلى تحمل مسؤوليات أكبر.
وكان ترامب قد نجح في قمة “الناتو” عام 2025 في لاهاي في دفع الحلفاء للموافقة على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، لكنه أمر أخيراً بسحب 5000 جندي أميركي من ألمانيا، وألغى عمليات نشر جديدة في ألمانيا وبولندا.
وتواجه أوروبا سؤالاً حاداً: هل يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة إذا تعرضت لهجوم؟ وقد عززت مواقف ترامب دعوات قديمة، خصوصاً في فرنسا، لبناء هيكل أمني أوروبي أكثر استقلالاً.
وفي هذا السياق، بدأ الاتحاد الأوروبي خطوات أولية، بينها إنشاء صندوق الدفاع الأوروبي وتطوير برامج دعم مالي وائتماني مثل برنامج “SAFE”، مع نقاشات أولية حول رادع نووي أوروبي مستقل.
وفي أنقرة، يعقد منتدى الصناعات الدفاعية في 7 تموز، بحضور مسؤولين وقادة في القطاع الدفاعي. وتبرز تركيا في هذا المجال بعد تحول واسع شهدته صناعتها العسكرية خلال العقدين الماضيين، جعلها من أبرز منتجي ومصدري المعدات الدفاعية.
ويتوقع روته توقيع عقود بعشرات مليارات الدولارات خلال أيام القمة، قد يرتبط بعضها بأوكرانيا. وسيكون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أنقرة لحضور مأدبة رسمية يستضيفها أردوغان ولقاء عدد من الحلفاء، كما سيلقي كلمة في منتدى الصناعات الدفاعية، إلى جانب اجتماع لمجلس “الناتو” وأوكرانيا.
وتبدأ القمة باجتماع وزراء خارجية مبادرة إسطنبول للتعاون، وهي شراكة أطلقها الحلف عام 2004 لتعزيز التعاون الأمني مع قطر والبحرين والكويت والإمارات. كما يحضر شركاء “الناتو” في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومنهم أستراليا واليابان وكوريا ونيوزيلندا.
وتتحدث تقارير غير مؤكدة عن احتمال حضور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى أنقرة، ليس كضيف في القمة الرسمية، بل بدعوة ثنائية من تركيا، ما قد يتيح له عقد لقاءات مع قادة غربيين موجودين في المدينة.
وقبل القمة، شهدت العاصمة التركية إجراءات أمنية ولوجستية واسعة. وأُغلقت طرق رئيسية، ومُنعت التجمعات العامة، ومنح موظفون حكوميون إجازات إدارية باستثناء العاملين في القطاعات الحيوية.
ومن المقرر نشر 70 ألف شرطي ودركي خلال يومي القمة، فيما تؤكد السلطات أنها لن تتسامح مع احتجاجات مناهضة لـ”الناتو” أو لترامب. كما مُنع بعض الصحافيين الأتراك البارزين في السياسة الخارجية من الحصول على اعتماد لتغطية الحدث.
في أنقرة، لا تترك السلطات شيئاً للصدفة. أما داخل القمة، فتبقى حسابات ترامب هي العنصر الأصعب في التوقع.
المصدر: المجلة
