بينما يجول الرئيس نجيب ميقاتي في معرض الكتاب الدولي، متنقّلًا بين أجنحته، يتصفّح الكتب ويتناقش مع الباحثين ويلتقي المواطنين مستمعًا إلى هواجسهم، في بلد يرزح تحت أزمات سياسية واقتصادية خانقة، تنشغل غرف سوداء بفبركة فيديوهات بواسطة الذكاء الاصطناعي تستهدفه وتسيء إلى صورته، في محاولة لإثارة البلبلة والتشويش على حضوره ودوره الوطني.
وبين مكتبه في بيروت ودارته في طرابلس، يواصل ميقاتي متابعة الشؤون العامة واستقبال الزوار والاهتمام بقضايا المواطنين، فيما يلجأ بعض خصومه إلى التضليل بدلًا من مواجهته سياسيًا، مستخدمين تقنيات متطورة لاختلاق مواقف ومشاهد لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة. وقد أُحيلت هذه الفيديوهات إلى القضاء المختص، لكشف ملابساتها وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين وفقًا للقانون.
والسؤال الذي تطرحه هذه الحملات هو: لماذا يُستهدف رئيس سابق للحكومة بهذه الأساليب، وهو خارج السلطة التنفيذية؟ وهل بات مجرد حضوره السياسي وتحركاته مصدر قلق لدى بعض الطامحين أو المتضررين من حضوره ولا سيما في ظل الفارق بين تجربة ميقاتي في إدارة الأزمات وما تشهده البلاد اليوم؟
يبدو أن ما يقلق هؤلاء ليس تحرّكًا عابرًا أو تصريحًا ظرفيًا، بل تجربة سياسية يصعب تجاوزها أو محوها بحملات التشويه. فميقاتي يحمل في سجله إنقاذ لبنان في ثلاث حكومات ترأسها، خلال مراحل شديدة الصعوبة، حين كانت البلاد تحتاج إلى إدارة الأزمات والحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع الانهيار الكامل. وهذه التجارب، بما لها وما عليها، تبقى جزءًا من الواقع السياسي اللبناني، ولا يمكن إلغاؤها بمقاطع مفبركة أو حملات إعلامية موجّهة.
كما أن ميقاتي لا يحتاج إلى موقع رسمي كي يبقى حاضرًا في المعادلة الوطنية، فهو يمتلك خبرة في إدارة التوازنات اللبنانية، وقدرة على التواصل مع مختلف المكونات محليا وعربيا ودوليا، انطلاقًا من قناعة بأن إنقاذ البلد لا يتحقق بمنطق الغلبة والإقصاء، بل بالحوار والتفاهم وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية والفئوية.
أما الذين يراهنون على أن تشويه صورته يفتح الطريق أمام طموحاتهم، فهم يخطئون في تقدير طبيعة الحياة السياسية، إذ لا تُمحى التجارب بالحملات، ولا تُكتسب الثقة بفبركة الوقائع، ولا يُصنع البديل باستهداف المنافسين. فاللبنانيون، الذين اختبروا تجارب الحكومات المتعاقبة، قادرون على المقارنة بين الأداء والنتائج، بعيدًا عن ضجيج الغرف السوداء وفبركاتهم.
غادر ميقاتي السراي الحكومي، لكنه لا يزال حاضرًا صلب المعادلة السياسية، ومن يمتلك تجربة بحجم ثلاث حكومات خاضت كل أنواع الأزمات ونجحت في إنقاذ لبنان، يكون عصّيا على الاستهداف بفيديو مفبرك أو بحملة تشويه. فالذكاء الاصطناعي قد يزوّر صورة أو صوتًا، لكنه لا يصنع تجربة سياسية ولا يمحوها، ولا يعفي أصحاب الطموحات من تقديم ما يثبت أهليتهم لتحمّل مسؤولية إنقاذ البلاد والعباد..
المصدر : سفير الشمال
