عادت حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لينكولن” إلى مينائها في سان دييغو، الخميس، بعد انتشار استمر 322 يوماً دعماً للحرب على إيران، في مهمة شهدت، بحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، نقصاً في الغذاء ومشكلات نفسية بين أفراد الطاقم البالغ عددهم نحو 5 آلاف شخص.
واحتشد أفراد عائلات البحارة وأصدقاؤهم على رصيف الميناء لاستقبال السفينة، حاملين الأعلام الأميركية واللافتات، وسط مشاهد مؤثرة بعد غياب طويل. وقالت عائلات إن انقطاع التواصل مع أبنائها لأيام وأسابيع جعل فترة الانتشار مرهقة، فيما عبّر آخرون عن ارتياحهم لعودة أفراد الطاقم سالمين.
وكان من بين العائدين بحارة أصبحوا آباء خلال فترة المهمة، ولم يتمكن بعضهم من رؤية أطفالهم للمرة الأولى إلا بعد وصول السفينة. وقالت زوجة أحد البحارة إنها اضطرت إلى خوض تجربة الولادة بمفردها، فيما لم يتمكن زوجها من التعرف إلى طفله خلال الأشهر الأولى من حياته.
نقص الإمدادات بعد استهداف قاعدة البحرين
بدأت مهمة “أبراهام لينكولن” قبل اندلاع الحرب، إذ غادرت سان دييغو في 21 تشرين الثاني 2025، وأمضت قرابة شهر في البحر قبل توقف قصير في قاعدة غوام البحرية للحصول على الإمدادات.
وبحسب “نيويورك تايمز”، واجهت السفينة وسفن أميركية أخرى صعوبات لوجستية بعد تدمير إيران مركز البحرية الأميركية الرئيسي في الشرق الأوسط في المنامة، رداً على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في 28 شباط.
ومع تعرض الموانئ المحيطة بشبه الجزيرة العربية لخطر الهجمات بالصواريخ الباليستية الإيرانية، بدأت السفن الأميركية في المنطقة تعاني نقصاً في الغذاء والوقود وإمدادات أخرى، بعدما نقلت البحرية مركز الإمداد إلى جزيرة دييغو غارسيا، الخاضعة لبريطانيا، والواقعة على مسافة نحو 2200 ميل.
وظهرت مؤشرات الأزمة عبر صور وجبات محدودة أرسلها أفراد من عائلات البحارة إلى الصحافيين. وحاولت عائلات إرسال طرود غذائية واحتياجات أخرى إلى أبنائها، لكن بعض الشحنات فُقد أو تلف أو وصل بعد أشهر من إرسالها.
وأثارت التقارير انتقادات داخل قيادة البحرية. ففي آب، اتهم وزير البحرية بالوكالة هونغ كاو الصحافيين بتصوير البحارة على أنهم “ضحايا”، قبل أن تغادر الحاملة بحر العرب في رحلة العودة، بعدما حلت محلها حاملة الطائرات الأميركية “جورج واشنطن”، المتمركزة في اليابان.
محاولات انتحار وضغوط نفسية
وفي الشهر التالي، أقر كاو، رداً على أسئلة نواب ديمقراطيين، بأن ثمانية بحارة من مجموعة السفن التابعة لـ”أبراهام لينكولن” حاولوا الانتحار. وقفز أحدهم إلى البحر، فيما حاول آخر القيام بذلك قبل أن يمنعه زملاؤه.
كما تحدث بحارة عائدون إلى سان دييغو عن حاجتهم إلى الدعم النفسي للتعامل مع التجربة، فيما قال آخرون إنهم لجأوا إلى الدين وعائلاتهم لتجاوز الشعور بالعزلة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد قلل في آب من المخاوف التي أثارتها عائلات أفراد الطاقم بشأن صحتهم النفسية وطول فترة الانتشار، ورد بالنفي عندما سُئل عما إذا كان قلقاً بشأن حالتهم أو يرى أن المهمة طالت أكثر من اللازم. وأضاف حينها أن مدة الانتشار، التي تجاوزت ثمانية أشهر، لم تكن “طويلة بما يكفي”.
وروت فيكتوريا توتزي، التي التحق ابنها بالبحرية بعد إنهاء المدرسة الثانوية للمساعدة في تمويل دراسته الجامعية، أن حصص الطعام كانت سيئة للغاية، ونقلت عن ابنها قوله إن الوضع كان صعباً. وأضافت أنه عندما سألته عن حاله بعد الهجمات الإيرانية التي استهدفت السفينة واعتراض الصواريخ والمسيّرات، أجاب بأن الجميع يعيشون حالة من التوتر.
قائد السفينة ينفي تعطل المهام
في المقابل، قال قائد الحاملة، الكابتن دانيال كيلر، إن الطاقم واجه بعض التحديات بعد بدء العمليات القتالية، لكنه أكد أن السفينة امتلكت ما يكفي من الغذاء والإمدادات لتنفيذ مهامها، وأنها لم تفوّت أي مهمة.
وأضاف أن السفينة كانت تقدم أربع وجبات يومياً، بإجمالي يتراوح بين 14 ألفاً و16 ألف وجبة للطاقم.
وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قد زار السفينة خلال مرحلتها الأخيرة باتجاه سان دييغو، وأقر بطول فترة انتشارها، لكنه اعتبر التقارير عن المشكلات اللوجستية مبالغاً فيها. كما منح الطاقم “وسام الوحدة الرئاسي”، وهو أعلى وسام يمكن منحه لوحدة في البحرية أو مشاة البحرية الأميركية تقديراً للخدمة الشجاعة.
وقال هيغسيث إن بعض وسائل الإعلام حاولت تصوير الحاملة بوصفها رمزاً للفشل أو ضعف المعنويات أو خلل الأداء، لكنه رأى أن ما لمسه من أفراد الطاقم وقيادته يعكس صورة معاكسة.
ضغط متزايد على أسطول حاملات الطائرات
وضعت الحرب على إيران الأسطول الأميركي المؤلف من 11 حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية تحت ضغط كبير. فحاملتا “جون سي. ستينيس” و”هاري إس. ترومان” غير متاحتين بسبب أعمال إعادة تزويد مفاعليهما النوويين بالوقود، فيما شاركت خمس حاملات أخرى في العمليات خلال الحرب.
كما دخلت حاملة “جيرالد فورد” حوض صيانة في تموز، بينما يُتوقع إخراج حاملة “نيميتز”، التي يبلغ عمرها 50 عاماً، من الخدمة العام المقبل.
وبحسب التقرير، لا يبقى ضمن الخيارات المحتملة للانتشار، إذا استمرت الحرب، سوى حاملات “دوايت دي. أيزنهاور” و”كارل فينسون” و”رونالد ريغان”.
وخلال المهمة، نفذت طائرات “أبراهام لينكولن” أكثر من 10 آلاف طلعة، وأسقطت أكثر من 1.5 مليون رطل من الذخائر، وفق مسؤول في البحرية الأميركية نقلت عنه الصحيفة. كما شاركت في تنفيذ الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.
وفي أيار، أطلقت مقاتلة من طراز “إف/إيه-18 سوبر هورنت” أقلعت من الحاملة نيران مدفعها عيار 20 ملم على دفة ناقلة النفط الإيرانية “إم تي هاسنا”، ما أدى إلى تعطيلها أثناء محاولتها عبور خط الحصار. وبعد شهر، استهدفت مقاتلة أخرى من الحاملة أقسام المحركات في ناقلة “إم تي ماريفيكس” التي ترفع علم بالاو في خليج عُمان، أثناء توجهها نحو إيران، وتم إنقاذ أفراد طاقمها البالغ عددهم 24 شخصاً بواسطة مروحية عسكرية عُمانية.
إجازات بعد العودة
أمضى طاقم “أبراهام لينكولن” نحو تسعة أشهر ونصف الشهر في البحر من دون انقطاع، إلى أن توقفت السفينة في باتايا بتايلاند في 2 أيلول لمدة خمسة أيام للراحة. وفي 18 أيلول، وصلت إلى الأراضي الأميركية خلال توقف قصير في غوام، حيث سُمح للبحارة بمغادرة السفينة شرط البقاء داخل القاعدة البحرية.
ومع العودة إلى البر الأميركي، سيحصل أفراد الطاقم على فترة راحة إضافية. ووفق النظام المعتاد بعد المهمات الطويلة، يحصل نصف الطاقم تقريباً على إجازة لمدة أسبوعين، فيما يواصل النصف الآخر العمل من الاثنين إلى الجمعة مع العودة إلى المنازل بعد انتهاء الدوام، قبل أن يتبادل الفريقان الأدوار.
ورغم تأكيد القيادة أن السفينة واصلت تنفيذ مهامها، فإن عودة الطاقم فتحت مجدداً النقاش حول الكلفة البشرية للانتشار البحري الطويل، في ظل نقص الإمدادات والضغوط النفسية التي تحدث عنها البحارة وعائلاتهم.
