يشير تقرير لـ”بلومبرغ”، ترجمه “لبنان24″، إلى أن عبد الملك الحوثي، الذي كان في السابق قائداً شاباً ومغموراً لجماعة مسلحة في شمال اليمن، أصبح اليوم أحد أبرز الشخصيات وأكثرها غموضاً وتأثيراً في الشرق الأوسط.
وحسب التقرير، تزداد أهمية صعود عبد الملك الحوثي بالنظر إلى محدودية علاقاته بالعالم الخارجي. فلا توجد أدلة على أنه سافر إلى إيران أو حتى زار مناطق كثيرة من اليمن. ونادراً ما يلتقي أشخاصاً من خارج دائرته، ولا يشغل منصباً رسمياً في إدارة الحوثيين، فيما يظهر بشكل شبه حصري عبر خطابات متلفزة من مكان مجهول، في أسلوب يشبه إلى حد كبير الظهور الإعلامي للأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله.
من قائد ميداني إلى زعيم غامض
وُلد الحوثي عام 1979 في محافظة صعدة الفقيرة المحاذية للسعودية، ونشأ في واحدة من أبرز العائلات الدينية الزيدية في شمال اليمن.
وكان والده، بدر الدين الحوثي، رجل دين بارزاً أمضى معظم حياته في تدريس وكتابة مؤلفات حول المذهب الزيدي، وهو أحد فروع الإسلام الشيعي ويختلف عن المذهب الشيعي الاثني عشري السائد في إيران.
أما شقيقه الأكبر حسين، فكان سياسياً وخطيباً مؤثراً، وأسهمت أفكاره في وضع الأسس العقائدية والفكرية لجماعة الحوثيين.
وبحسب باحثين يتابعون الحركة الحوثية، لم يحصل عبد الملك الحوثي على تعليم ديني أكاديمي واسع، ولم يمتلك المؤهلات العلمية التي حازها والده وشقيقه الأكبر، لكنه برز في المقابل على أرض المعركة بفضل قدراته العسكرية.
وقُتل حسين الحوثي على يد القوات اليمنية في أيلول 2004، في نهاية أولى ست حروب خاضتها الجماعة ضد حكومة الرئيس السابق علي عبد الله صالح في صعدة. وبعد ذلك، بدأت الحركة تتجمع تدريجياً حول شقيقه الأصغر عبد الملك، الذي كان يكتسب سمعة كقائد لقوات حرب العصابات.
وقال محمد البخيتي، أحد المسؤولين الحوثيين البارزين، إن ما ميّز عبد الملك كان قدرته على التعامل مع الظروف الصعبة، وكسب ثقة المحيطين به، وإظهار قدراته القيادية عملياً.
وحاولت الحكومة اليمنية مراراً
القضاء على الحوثيين في معقلهم شمال البلاد، لكنها فشلت. ورغم بقائهم، دمرت سنوات الحرب مناطق واسعة من صعدة.
وقال البخيتي إن القصف كان شديداً إلى درجة أن عبد الملك لم يعد قادراً على معرفة ما إذا كانت مخزن بندقيته قد نفدت ذخيرته من صوت إطلاق النار، ولم يدرك ذلك إلا عندما توقفت البندقية عن الارتداد على كتفه.
وقد شكّلت حروب صعدة النواة التي لا تزال تحيط بعبد الملك الحوثي حتى اليوم، إذ إن عدداً كبيراً من كبار المسؤولين المحيطين به قاتلوا إلى جانبه خلال تلك السنوات، فيما بقيت السلطة مركزة في أعلى هرم الجماعة.
حكم قمعي ونفوذ متزايد
استولى الحوثيون على العاصمة صنعاء عام 2014، وفرضوا حكماً قمعياً، فيما يسيطرون حالياً على معظم شمال اليمن والساحل الغربي، حيث يعيش نحو 70% من السكان.
ولا تترك الجماعة مساحة كبيرة لمن يخرج عن خطها السياسي أو الاجتماعي أو الديني. وشملت حملات القمع المتتالية منتقدين وأشخاصاً يعملون مع منظمات إغاثة دولية، فيما تواجه النساء قيوداً على الحركة والعمل والحياة العامة، كما تعرضت الأقليات الدينية للتمييز والاضطهاد المستمر.
كما جنّد الحوثيون أطفالاً في صفوفهم، وأدخلوا اليمن في حرب أهلية تسببت بإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في وقت كان البلد أصلاً من أفقر دول العالم.
ومع اتساع نفوذه، ازداد انعزال عبد الملك الحوثي. وتقول الباحثة ميساء شجاع الدين إن الحوثي “يشعر بالريبة” ولا يثق بالآخرين بسهولة، فيما يقول محمد البخيتي إن انعزاله يعود إلى أسباب أمنية بعد تعرضه لمحاولات اغتيال متكررة.
ويحافظ الحوثي على سيطرة مشددة على القرارات الأساسية، لكنه نادراً ما يعطي أوامر مباشرة، ويفضّل شرح ما يريده وإقناع الآخرين بتنفيذه، وفق البخيتي.
وكان علي البخيتي، المسؤول الحوثي السابق وشقيق محمد، قد وصف عبد الملك عام 2011 بأنه شخص خجول ومنصت، يجلس بصمت خلال الاجتماعات ويستمع باهتمام. لكنه انفصل لاحقاً عن الجماعة، مع إقراره بأنه لا يزال يكنّ له المودة رغم اختلافه مع أفكاره.
العلاقة مع إيران وحزب الله
وبحسب التقرير، يُوصف الحوثيون بصورة متكررة بأنهم وكيل لإيران، إلا أن علاقتهم بطهران تطورت تدريجياً، وبدأت في الأساس عبر صلات الجماعة بحزب الله.
وأجبر استيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014 إيران على التعامل معهم بجدية أكبر، فيما أدى بدء التحالف الذي قادته السعودية شنّ ضربات على اليمن في العام التالي إلى دفع الحوثيين بصورة أكبر نحو إيران.
وكان
حزب الله، حسب التقرير، النموذج الذي سعى الحوثيون إلى محاكاته، إذ تمكن الحزب اللبناني من الصمود في حروب مع قوة عسكرية أكبر بكثير، هي إسرائيل، مع بناء نفوذ عسكري وسياسي في الوقت نفسه.
وسعى الحوثيون إلى تكرار هذا النموذج في اليمن، فيما رأت إيران في ذلك فرصة لتوسيع “محور المقاومة”. ومع مرور الوقت، أصبح الحوثيون يحصلون بصورة متزايدة على الخبرات والأسلحة والتدريب الإيراني.
وتقول شجاع الدين إن الحوثيين لا يحتاجون إلى أن يكونوا “وكيلاً” لإيران طالما أنهم يتبنون الأجندة والأهداف نفسها، مضيفة أن طهران ليست مضطرة إلى إعطائهم الأوامر.
كما عزز الحوثيون موقعهم ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة” المدعوم من إيران. ومع تراجع قدرات حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان خلال الحروب التي أعقبت هجمات 7 تشرين الأول 2023، ازدادت ثقة الحوثيين بدورهم وأهميتهم داخل هذا المحور.
وقال حميد رضا عزيزي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية، إن الحوثيين بدأوا يؤدون جزءاً من الدور الذي كان يؤديه حزب الله في عهد أمينه العام السابق حسن نصرالله، الذي قُتل بضربة إسرائيلية قبل عامين. وأضاف أن الجماعة لم تعد مجرد عضو آخر في الشبكة، بل أصبحت “مركزاً يربط ويدعم جهات أخرى”.
من اليمن إلى البحر الأحمر وإسرائيل
دخلت العلاقات بين الحوثيين وطهران مرحلة جديدة بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، عقب هجوم حماس على جنوب إسرائيل.
وبدأ الحوثيون إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل واستهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، قائلين إن تحركاتهم تأتي دعماً للفلسطينيين.
وساهمت هذه الحملة في تعزيز حضور عبد الملك الحوثي على المستويين الإقليمي والدولي، ورسخت مكانة الحوثيين كقوة لا يمكن تجاهلها في المنطقة.
وتصنّف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جماعة الحوثيين منظمة إرهابية، فيما طوّرت الجماعة ترسانة عسكرية قادرة على استهداف منشآت نفطية وسفن تجارية على مسافات تمتد لمئات الكيلومترات. وفي أيلول الماضي، سيطرت على أراضٍ تطل على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب التقرير، تسببت تحركات الحوثيين في اضطراب حركة التجارة العالمية وهزّ أسواق الطاقة، فيما امتد نفوذ الجماعة إلى خارج اليمن عبر الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية وإسرائيل واستهداف السفن التجارية في البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، حافظت الولايات المتحدة على الهدنة التي توصلت إليها مع الحوثيين العام الماضي لإنهاء القصف في اليمن، وأجرت مؤخراً محادثات مباشرة مع الجماعة في سلطنة عُمان.
وبحسب التقرير، كلما نجح الحوثيون في الصمود أمام حملات عسكرية متتالية، اتسعت طموحات عبد الملك الحوثي. فهو لم يعد ينظر إلى الجماعة كقوة تسعى فقط إلى السيطرة على مزيد من الأراضي اليمنية، بل كقوة إقليمية قادرة على التأثير في مستقبل الإسلام والشرق الأوسط.
وتقول شجاع الدين إن الحوثيين لا يعرّفون أنفسهم كجماعة محلية، بل كحركة ثورية عابرة للحدود، مشيرة إلى أن طموحات الحوثي باتت تتجاوز اليمن، إذ “ينظر إلى مكة والمدينة أكثر مما ينظر إلى عدن”.
تجدد القتال في اليمن
أما أحدث التطورات، فتأتي في ظل تجدد القتال في اليمن وتصاعد المواجهة بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والسعودية.
ومع تصاعد المواجهات، أطلقت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، نهاية الأسبوع الماضي، حملة عسكرية واسعة لاستعادة الأراضي، بعد أسابيع من الاشتباكات التي أعادت اليمن إلى أجواء حرب مفتوحة.
ورغم أكثر من عقدين من الحروب، بات الحوثيون اليوم أكثر قوة وثقة بأنفسهم. فقد ورث عبد الملك الحوثي قيادة الجماعة وهو شاب، عندما كانت تقاتل من أجل البقاء في المناطق الجبلية النائية شمال اليمن، بينما باتت الجماعة تسيطر حالياً على العاصمة صنعاء ومعظم شمال البلاد والساحل الغربي.
وأدى تجدد القتال منذ آب إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا. ووفق منظمة الصحة العالمية، قُتل 838 شخصاً وأصيب أكثر من 3600 آخرين حتى 29 أيلول، فيما فرّ أكثر من 3600 يمني إلى جيبوتي منذ 10 أيلول.
المصدر: خاص “لبنان24”
