في واشنطن مختلفة، وتحت إدارة رئيس مختلف، ربما كانت العودة إلى سياسة العقوبات الشاملة والمألوفة لمواجهة إيران، ستشكل إشارة إلى أن وزير الدفاع الأميركي، المعروف بحبه للأضواء، قد يفضّل الابتعاد عن الواجهة.
لكن هذه ليست أوقاتاً عادية، وبيت هاغسيث ليس وزير دفاع عادياً.
فبعد بالكاد أسبوع من إطلاق وزير الخزانة سكوت بيسنت ما وصفه بـ”يوم إنزال اقتصادي” بهدف سحق النظام في طهران تحت وطأة الضغوط التجارية، عاد هاغسيث إلى الواجهة، وإلى قلب الجدل، مرة أخرى.
وبحسب صحيفة “الغارديان”، أطاح هاغسيث، المذيع السابق في قناة “فوكس نيوز”، ببيسنت من صدارة المشهد بعدما تحوّل الصراع مع إيران مجدداً إلى حرب مفتوحة، وانكشفت مرة أخرى حالة الاستياء داخل البنتاغون.
وعادت صراعات النفوذ داخل دائرة هاغسيث نفسه إلى الواجهة مع استقالة وزير الجيش، وكشف معلومات جديدة عن تعطيل ترقيات عسكرية، وتسريبات بشأن مقاومة كبار قادة الجيش لتمديد انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط.
وتصر وزارة الدفاع الأميركية على أن أي حديث عن حالة فوضى داخل البنتاغون في عهد هاغسيث “لا أساس له من الصحة على الإطلاق”، لكن القلق بشأن أدائه في منصبه وتداعيات ذلك لم يصدر فقط عن خصومه السياسيين.
وقال راندي مانر، اللواء المتقاعد في الحرس الوطني الأميركي، الذي خدم فيه هاغسيث أيضاً، وعضو مجموعة “قادة الأمن القومي من أجل أميركا”: “وزير الدفاع يشكل خطراً واضحاً وحاضراً على الأمن القومي للولايات المتحدة والعالم”.
وأضاف: “لقد ألحق ضرراً بالأمن القومي للولايات المتحدة أكثر من أي وزير دفاع منذ تأسيس البلاد”.
بدوره، دعا السيناتور الجمهوري عن ولاية نورث كارولاينا، ثوم تيليس، الذي يستعد لمغادرة مجلس الشيوخ الأميركي بعد خلافات مع دونالد ترامب، الرئيس الأميركي صراحة هذا الأسبوع إلى إقالة وزير دفاعه.
وكتب تيليس على وسائل التواصل الاجتماعي: “لم أشهد قط إدارة أكثر عجزاً للرجال والنساء الشجعان الذين يخدمون بلادنا”.
وأضاف أن هاغسيث “يشعر بالتهديد أمام الكفاءة، ويلجأ إلى إشعال حروب ثقافية بدلاً من التعامل بهدوء مع العمل الحيوي المتعلق بدفاعنا الوطني وصحة قواتنا المقاتلة ورفاهها”.
وفي الوقت نفسه، أعادت استئناف الضربات على أهداف إيرانية قرب مضيق هرمز، بعد توقف دام شهراً، طرح تساؤلات حول ما الذي تريد الولايات المتحدة تحقيقه تحديداً في حربها مع النظام الإسلامي، بعدما كان ترامب ووزير دفاعه قد تعهدا بصوت عالٍ بإسقاطه.
وأدت الضربات، التي استهدفت البر الإيراني وجزراً إيرانية في الخليج، إلى سقوط عدد من الضحايا.
وفي إحدى الحوادث، أفادت وسائل إعلام إيرانية بمقتل خمسة أشخاص، بينهم طفل يبلغ ست سنوات، في مدينة كوهستاك جنوبي إيران، بعدما أصاب صاروخ حفل زفاف.
وصنفت السلطات الإيرانية الوفيات على أنها جريمة حرب.
ويقول التقرير إن الحادثة أعادت إلى الأذهان الضربات التي استهدفت مدينة ميناب في اليوم الأول من الحرب، في 28 شباط، عندما قُتل أكثر من 150 شخصاً، بينهم 120 طفلاً، بعدما أصابت صواريخ مدرسة ابتدائية.
ولم تعترف الولايات المتحدة رسمياً بمسؤوليتها عن الحادث، رغم أن مسؤولين أميركيين قالوا إن الواقعة تخضع لتحقيق عسكري.
وسرعان ما أعقبت الضربات الأخيرة معلومات تفيد بأن هاغسيث مدّد انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط، حيث تحتفظ الولايات المتحدة حالياً بنحو 50 ألف جندي و19 سفينة حربية، جزئياً لتنفيذ حصار بحري على إيران، حتى منتصف العام المقبل.
وصدر قرار التمديد رغم اعتراض عدد من القادة في قطاعات أخرى على عمليات الانتشار، فيما يعرف رسمياً باسم “عدم الموافقة”، محذرين من أن ذلك قد يعرّض الولايات المتحدة لخطر عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها في مناطق أخرى، فضلاً عن تعريض القوات لضغوط إضافية نتيجة بقائها في البحر لفترات طويلة.
وسُجلت هذه الاعتراضات في “كتاب أوامر وزير الدفاع” الصادر في 14 آب، وهو وثيقة سرية تم تسريب محتوياتها ونشرتها صحيفة “واشنطن بوست”.
“الأشهر الستة الماضية فشلت”
وقال كيفن كارول، وهو عقيد سابق في الجيش وضابط استخبارات عسكرية خدم في مكاتب وزير الدفاع وهيئة الأركان المشتركة، عن الحرب على إيران: “لست متأكداً من ماهية الاستراتيجية هنا. ما مركز ثقل العدو الذي نستهدفه؟”
وأضاف: “حاولنا قطع رأس قيادتهم، ولم ينجح ذلك. حاولنا استهداف برنامجهم الصاروخي، ولم نتمكن من تدميره. حاولنا إغراق أسطولهم، لكنهم ما زالوا يحتفظون بقدرة على زرع الألغام”.
وتابع: “يمكننا بسهولة تدمير بنيتهم التحتية للطاقة، لكن ذلك سيرفع أسعار النفط كثيراً، وسيؤدي إلى هجمات انتقامية على البنية التحتية للطاقة لدى حلفائنا في الخليج. وليس واضحاً ما الذي يُفترض أن تحققه هذه الأهداف”.
وقال نيت سوانسون، الزميل البارز في “المجلس الأطلسي” والمستشار السابق في البيت الأبيض ووزارة الخارجية بشأن إيران، إن أوامر هاغسيث المتعلقة بتمديد الانتشار العسكري تعكس قرار الإدارة تبني سياسة حصار اقتصادي طويل الأمد.
وأضاف سوانسون: “إنها اعتراف بحقيقة أن الأشهر الستة الماضية فشلت، لكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون”، مشيراً إلى أن ترامب قد يكون منجذباً إلى فكرة التخلي عن الصراع، لكنه يريد القيام بذلك بطريقة تتيح له إظهار القوة.
ومع استمرار الحرب، يواجه هاغسيث اتهامات بعدم الانخراط بما يكفي في القضايا السياسية الخطيرة، مفضلاً التركيز على قضايا “ثقافية”، على حساب المسارات المهنية لضباط ذوي كفاءة، فضلاً عن طموحاته السياسية المستقبلية.
ووزير الدفاع، الذي تجنب الأسئلة المحرجة والتدقيق الإعلامي من خلال عدم عقد مؤتمر صحافي رسمي في البنتاغون منذ 5 أيار، أبلغ، بحسب تقارير، مقربين منه أنه يفكر في الترشح لنيل ترشيح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية عام 2028.
وفي خضم حرب تجارية متصاعدة بين الولايات المتحدة وكندا، وجد هاغسيث، الذي سبق أن هاجم “الجنرالات البدينين” وفرض اختبارات لقياس مستويات هرمون التستوستيرون لدى أفراد القوات المسلحة، وقتاً للتدخل في قضية أخرى، بعدما بدا أنه “يسخر من أجساد” اثنتين من الطالبات الكنديات في سن المراهقة.
وأثارت منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات.
واتهمه جو والش، النائب الجمهوري السابق الذي أصبح ديمقراطياً، في إحدى حلقات البودكاست، بممارسة “مضايقات إلكترونية مقززة”، ووصف وزير الدفاع بأنه “مهرج”.
ووصل التوتر بشأن أولويات هاغسيث إلى ذروته هذا الأسبوع عندما استقال وزير الجيش دان دريسكول، وهو صديق وحليف لنائب الرئيس جي دي فانس، بعد خلافات متكررة مع هاغسيث بشأن تعطيل الترقيات وإقالة قادة كبار بذريعة واهية.
وقال مانر: “بقية الجيش يعاني تراجعاً كبيراً”.
ويشير التقرير إلى أن نسبة كبيرة من الضباط الذين تم تعطيل ترقياتهم أو إقالتهم كانوا من السود أو النساء، بما يتماشى مع حملة هاغسيث العلنية ضد مبادرات “التنوع والمساواة والشمول” المعروفة باسم “DEI”.
وفي أحدث سلسلة من عمليات التطهير، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن هاغسيث عطّل ترقيات سبعة ضباط إلى رتبة جنرال بنجمتين.
وعند تقديم استقالته، أعرب دريسكول، الذي قاد جهوداً لتحديث الجيش، بما في ذلك تبني حرب الطائرات المسيّرة، عن مخاوف “تتعلق بتحول الجيش واستعداده، وقيام هاغسيث تحديداً بعرقلة هذه الجهود من خلال إقالة الجنرالات المسؤولين عنها”، وفقاً لما نقلته شبكة “سي إن إن” عن مصدر.
وأثارت استقالة دريسكول، والأسباب التي دفعت إليها، غضباً حتى داخل صفوف الجمهوريين، وعلى رأسهم تيليس، السيناتور الجمهوري المغادر.
وكتب تيليس: “كان دان الرجل المناسب في اللحظة المناسبة لقيادة جنودنا والعاملين المدنيين في الجيش”.
ويؤيد بعض الجنرالات المتقاعدين هذا التقييم القاسي، إذ يقولون إن المخاوف بشأن قيادة هاغسيث يتشاركها سراً العديد من الضباط الذين ما زالوا في الخدمة.
وقال مانر إن هاغسيث يحرم أجزاء أخرى من القوات المسلحة من الموارد لتمويل حرب إيران من “حسابات الجاهزية”.
وأوضح: “هذه الأموال مخصصة لتدريب بقية القوات. ولذلك تخسر بقية القوات ساعات تدريب ومعدات وأموالاً مخصصة للصيانة والعمليات. بقية الجيش يتراجع بشكل كبير”.
وأضاف مانر أن محادثاته مع ضباط في الخدمة تؤكد المخاوف التي ظهرت في التسريبات من “كتاب أوامر وزير الدفاع”.
وقال: “لدي معرفة مباشرة بأشخاص في الخدمة الفعلية يرددون المخاوف نفسها تماماً، ومفادها أننا نتجه نحو وضع لن نعود فيه قادرين على الدفاع عن تايوان، وأننا على الأرجح لن نكون قادرين حتى، وبصراحة، على الدفاع عن كوريا الجنوبية”.
“أسوأ بكثير” من رامسفيلد
ويقول التقرير إن هاغسيث، الذي واجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب بسبب إصداره أوامر بشن سلسلة من الضربات على قوارب يُشتبه في استخدامها لنقل المخدرات قبالة سواحل أميركا الجنوبية، ليس أول وزير دفاع أميركي يتعرض لتدقيق شديد بسبب إدارة حرب أميركية بعيدة.
فقد أصبح روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع في عهد الرئيس ليندون جونسون، هدفاً رئيسياً للانتقادات خلال حرب فيتنام، قبل أن يمر لاحقاً بأزمة ضمير وينتقل إلى منصب جديد رئيساً للبنك الدولي.
وخلال إدارة جورج دبليو بوش، أصبح دونالد رامسفيلد هدفاً لانتقادات حادة بعدما فشل، بصفته وزيراً للدفاع، في التخطيط بشكل كافٍ لمرحلة احتلال العراق بعد الغزو الأولي الذي أطاح بصدام حسين.
لكن بول إيتون، وهو لواء متقاعد درّب القوات العراقية بعد الغزو ويعمل حالياً مستشاراً لدى مجموعة “فيت فِتس”، قال إن إخفاقات رامسفيلد تبدو ضئيلة مقارنة بهاغسيث.
وقال إيتون: “كان رامسفيلد يعاني من هوس الحرب المقبلة، وهو ما ساهم في قرار بوش إقالته بعد الهزيمة القاسية التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي عام 2006. كل هذا يبدو مألوفاً إلى حد ما لما نمر به الآن”.
وأضاف: “لكن الوضع أسوأ بكثير، لأننا كنا نملك آنذاك الكثير من الأشخاص الأذكياء جداً القادرين على كبح الأفكار السيئة التي كان رامسفيلد يطرحها. أما هذه المرة، فقد أُبعد بالكامل رجال ونساء ذوو خبرة تعلموا الأمور بالطريقة الصعبة، وفي معظم الأحيان من خلال القتال”.
وتابع: “إذا فشلت في التخطيط، فخطط للفشل، وما نراه في حرب إيران هو مجرد دليل على ذلك. الإحباط هو أننا أفضل من هذا داخل المؤسسة العسكرية، لكن القيادة المدنية سلّمتنا مجموعة سيئة للغاية من التوجيهات”.
في المقابل، رأى مايكل أوهانلون، خبير الدفاع والاستراتيجية في مؤسسة “بروكينغز”، أن القوات المسلحة تمتلك ما يكفي من الكفاءات والكوادر الاحتياطية لتحمّل عمليات التطهير التي ينفذها هاغسيث من دون خطر الانهيار الوشيك، لكنه أعرب عن أسفه لخسارة بعض الشخصيات الرئيسية التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
وأشار تحديداً إلى الجنرال كريس دوناهو، الذي ترك أخيراً منصبه قائداً للقيادة البرية الأميركية في أوروبا وأفريقيا.
وقال أوهانلون: “لم يسبق أن تولى نجم برامج حوارية تلفزيونية، يحمل أجندة حزبية وثقافية قوية، منصب وزير الدفاع”.
وأضاف: “قد تكون هناك أصداء لوزراء دفاع سابقين، لكن الجانب السياسي والثقافي هو بيت هاغسيث بالكامل”.
وتوقع أوهانلون أن هاغسيث “لن يترك في النهاية بصمة كبيرة”.
وقال: “سينتهي به الأمر معروفاً بأنه الرجل الذي خاض حروب ترامب الثقافية نيابة عنه، وربما فشل في مساعدة ترامب على تجنب الوقوع في المشاكل في حرب إيران، بحسب مدى سوء تطور الأمور”.
