عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى ملف انتخابات 2020، لكن هذه المرة من موقعه في البيت الأبيض، لا من موقع المرشح الخاسر. وبعد 6 سنوات من تكرار مزاعمه بأن الانتخابات سُرقت منه، خرج في “خطاب إلى الأمة” ليعرض ما وصفه بـ”كشف جديد” عن أمن الانتخابات.
وبحسب New York Magazine، وضع ترامب ثقل الرئاسة الأميركية، ومعها مؤسسات إنفاذ القانون والاستخبارات، خلف رواية ضخمة عن مؤامرة واسعة استهدفت انتخابات 2020، وجرى التستر عليها لاحقاً.
المقال يرى أن خطورة الخطاب لا تكمن فقط في الاتهامات نفسها، بل في أثرها السياسي. فالرئيس، وفق المجلة، ضرب ثقة جزء واسع من الأميركيين بنزاهة الانتخابات، وفتح الباب مسبقاً للطعن بأي نتائج غير مناسبة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي.
ترامب تحدث عن مؤامرة ضمت، بحسب زعمه، الصين، ووسائل الإعلام الكبرى، ومسؤولين ديمقراطيين، وموظفين في ما يسميه “الدولة العميقة”. وقال إن هؤلاء عملوا معاً لسرقة بيانات انتخابية، واختراق آلات التصويت، والتلاعب بسجلات الناخبين، ومساعدة جو بايدن على الوصول إلى البيت الأبيض.
كما اتهم الصين بدفع أموال لصحافيين من أجل كتابة تقارير سلبية عنه، في ما بدا، بحسب المجلة، رداً غاضباً على رفض وسائل إعلام نقل خطابه مباشرة.
لكن المقال يشير إلى أن ترامب، رغم حجم الاتهامات، لم يقدم دليلاً محدداً على سرقة أصوات أو اختلاقها أو تغيير نتائج فعلية. ونقل عن خبير قانون الانتخابات ريك هاسن قوله إن ترامب لم يثبت تصويت شخص واحد غير مؤهل، ولا اختراق آلات تصويت، ولا التلاعب بنتائج معلنة.
أما المزاعم المتعلقة بالصين، فقوبلت سريعاً برد من السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، العضو البارز في لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، الذي وصف ما طرحه ترامب بأنه “زائف بالكامل”. وقال وارنر إن أجهزة الاستخبارات الأميركية اتفقت سابقاً على أن الصين لم تحاول تغيير صوت واحد في انتخابات 2020.
وترى المجلة أن الخطاب قد يكون كافياً، رغم غياب الأدلة، لدفع مؤيدين لترامب إلى الشك مجدداً في قدرة النظام الانتخابي على احتساب أصواتهم بشكل عادل.
وهذا، وفق المقال، ما كان يقلق جمهوريين في الكونغرس قبل الخطاب. ففي لحظة كان الحزب يحتاج فيها إلى رسالة واضحة عن كلفة المعيشة والحرب مع إيران، أعاد ترامب الجمهوريين إلى ملف إنكار نتائج انتخابات 2020.
وفي بداية الخطاب، كرر ترامب حديثه المعتاد عن أن البلاد تحقق نجاحات كبيرة في كل المجالات. ثم انتقل سريعاً إلى فكرته الأساسية: أن هذه النجاحات لا يمكن أن تُقابل بخسارة جمهورية في صناديق الاقتراع إلا إذا حصل تزوير.
ومن بين ما طرحه ترامب، دعوة جديدة إلى تمرير قانون SAVE America Act، وهو مشروع يقدمه أنصاره على أنه يهدف إلى حماية الانتخابات، فيما يقول منتقدوه إنه سيقيّد التصويت عبر البريد ويؤدي إلى شطب أعداد كبيرة من الناخبين قبل الانتخابات النصفية.
لكن حتى داخل الحزب الجمهوري، لا يبدو تمرير المشروع سهلاً. فقد قال السيناتور الجمهوري توم تيليس إن نسخ هذا القانون، مهما تغير اسمها، “معيبة من الأساس” ويستحيل تطبيقها قبل الانتخابات المقبلة.
ورغم ذلك، دعا ترامب أنصاره إلى الضغط على الكونغرس لتمرير القانون، جاعلاً منه أولوية سياسية لحركته.
كما استند إلى تقرير جديد من وزارة الأمن الداخلي يزعم وجود أدلة على تصويت مئات آلاف غير المواطنين في ولايات يديرها ديمقراطيون. لكن المجلة تشير إلى أن دراسات عديدة سبق أن خلصت إلى أن تصويت غير المواطنين في الولايات المتحدة نادر جداً.
الخلاصة التي يقدمها المقال حادة: ترامب لا يطرح فقط رواية عن انتخابات ماضية، بل يؤسس لمعركة مقبلة حول أي نتيجة لا تناسبه. ومن يعارض هذه الرواية، بحسب منطق الخطاب، يصبح جزءاً من المؤامرة نفسها.
بهذا المعنى، لم يكن خطاب ترامب عن عام 2020 فقط. كان أيضاً رسالة سياسية للانتخابات المقبلة.
