من إدارة ميقاتي الأزمات إلى صمت سلام
واجه لبنان حروباً عديدة وكاد ينزلق إلى حروب أخرى، لكن المقارنة بين مواجهة عام 2024 والتوترات المتصاعدة في عام 2026 تكشف ما هو أعمق من مجرد تطورات عسكرية؛ إذ تُظهر بوضوح كيف يمكن لأسلوب القيادة ومستوى الانخراط الدبلوماسي أن يؤثرا في مسار الأزمات.
ففي حين لعبت الدبلوماسية سابقاً دور صمام الأمان، تبدو اليوم إلى حّدٍ كبير غائبة عن المشهد.
في عام 2024، كان لبنان يقف على حافة حرب إقليمية أوسع مع تصاعد المواجهات على الحدود الجنوبية بين إسرائيل وحزب الله. ورغم خطورة الوضع، كان هناك حراك دبلوماسي فاعل يجري خلف الكواليس.
في قلب هذا الحراك كان رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، الذي اعتمد في إدارة الأزمة على تواصل دائم مع الشركاء الدوليين ومراكز القرار الداخلية. فقد حافظ على قنوات مفتوحة مع الولايات المتحدة، مدركاً أن دور واشنطن كان أساسياً في منع توسع حرب غزة إلى الساحة اللبنانية.
لكن دبلوماسية ميقاتي لم تقتصر على الخارج. فقد لعبت علاقته مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أساسياً دوراً محوريا،ً باعتباره أحد أبرز أركان النظام السياسي اللبناني ووسيطاً مع حزب الله. ومن خلال هذه القناة، ساهم ميقاتي في تثبيت إطار غير معلن لقواعد الاشتباك ساعد في احتواء التصعيد، حتى وإن لم ينهِ المواجهة. كما استخدم بري نفوذه للضغط باتجاه الالتزام بهذه الحدود.
لم يكن ذلك سلاماً كاملا،ً بل شكلاً من أشكال الضبط الاستراتيجي للنزاع، إذ أدّت الدبلوماسية دور صمام الضغط الذي منع الاشتباكات اليومية من التحول إلى حرب شاملة.
لكن لبنان في عام 2026 يبدو مختلفاً .
فالبلاد مجدداً في خطر مواجهة أوسع، غير أن الزخم الدبلوماسي الذي رافق إدارة الأزمات سابقاً يبدو اليوم أقل حضورا.ً ففي عهد رئيس الحكومة نواف سلام، يكافح لبنان لإظهار مستوى الانخراط نفسه مع الفاعلين الدوليين الأساسيين.
يحظى سلام باحترام إعلامي واسع باعتباره رجل قانون ودبلوماسياً سابقاً، غير أن تحويل هذه الخبرة إلى دبلوماسية نشطة في زمن الأزمات يمثل تحدياً مختلفا.ً فبدلاً من حراك سياسي ودبلوماسي ديناميكي، تبدو المقاربة الحالية أقرب إلى الحذر ورد الفعل من موظف ينظر تعليمات ادارته.
وتعكس العلاقات مع واشنطن هذا التحول بوضوح. إذ تبدي الولايات المتحدة تزايداً في الشكوك حيال مدى التزام حكومة لبنان بالتعهدات التي نوقشت في المحافل الدولية، ولا سيما ما يتعلق بتنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وقد ساهمت هذه الشكوك في إضعاف الزخم الدبلوماسي الذي كان قائماً بين بيروت وواشنطن.
في المقابل، اتجه لبنان أكثر نحو فرنسا طلباً للدعم الدبلوماسي والعسكري. وقد بادرت باريس إلى طرح مبادرات لتعزيز قدرات الجيش اللبناني والبحث في سبل تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية. غير أن فرنسا وحدها ال تستطيع تعويض الوزن الاستراتيجي الذي يمنحه الدور الأميركي في المعادالت اإلقليمية.
هذا الواقع يطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة القيادة في أوقات الأزمات. فقد تعامل ميقاتي مع موقعه كمفاوض سياسي يستخدم شبكة علاقاته ونفوذه لإدارة التوازنات المتعارضة. ورغم أن دبلوماسيته لم تكن دائماً علنية، فإنها كانت حاضرة وفاعلة.
أما سلام، فيبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى إداري ينفذ السياسات منه إلى قائد سياسي يصوغها. غير أن الدبلوماسية في زمن الحروب تحتاج إلى المبادرة، وإلى القدرة على طرح أفكار جديدة، وجمع الأطراف المتنازعة، وفتح مساحات سياسية لخفض التصعيد.
إن اللحظة التي يمر بها لبنان اليوم تتطلب هذا النوع من القيادة. فالحروب لا تُمنع بالمؤسسات وحدها، بل أيضاً بوجود شخصيات سياسية مستعدة لتحمل المخاطر من أجل الحفاظ على الاستقرار.
الخطر لا يكمن فقط في التصعيد العسكري على الحدود الجنوبية، بل أيضاً في غياب الآليات الدبلوماسية التي ساهمت سابقاً في احتواء التوتر.
في عام 2024، كانت هذه الآليات قائمة لأن الحكومة اللبنانية عملت بفعالية على بنائها. أما في عام 2026، فهي تبدو أكثر هشاشة وغموضا.ً
بالنسبة إلى بلد دفع مراراً أثمان الصراعات الإقليمية، فإن إعادة بناء هذا الهيكل الدبلوماسي قد تكون ضرورة ملحة لا تقل أهمية عن أي انتشار عسكري. فمن دونها قد يجد لبنان نفسه منجرفاً نحو مواجهة من دون الضوابط التي حالت سابقاً دون انزلاقه إلى حرب مدمرة.
اليوم، يحتاج لبنان، أكثر من أي وقت مضى، إلى رجل دولة يمتلك الرؤية والخبرة والشجاعة السياسية للتحرك؛ قائد قادر على دعم رئيس الجمهورية، وتحويل الوعود إلى خطوات عملية، واستعادة الثقة مع الشركاء الدوليين، وإعادة بناء الدور الدبلوماسي للبنان. ففي منطقة قد يقود فيها أي خطأ في الحسابات إلى كارثة، تصبح هذه القيادة ضرورة لحماية البلاد من التصعيد والدمار.
بقلم ماجد يوسف
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.
