نظم “مجلس بعلبك الثقافي” في قاعة الدكتور حبيب الجمال في بعلبك، ندوة حول رواية “عائد إلى …” للكاتب والأديب الفلسطيني سعيد أبو نعسة، td حضور رئيس اتحاد بلديات بعلبك حسين علي رعد، رئيس بلدية بعلبك المحامي أحمد زهير الطفيلي ونائبه عبد الرحيم شلحة، رئيس المجلس حاتم شريف، رئيس “حركة الريف الثقافية” الدكتور الياس الهاشم، رئيس “الملتقى الثقافي الجامعي” الدكتور علي زيتون، وحشد من المهتمين بالثقافة والأدب.
حسن
استهل الندوة الدكتور محمد حسن، فقال: “يحمل الكاتب سعيد أبو نعسه بين جنبيه هم الأرض والقرى والبلدات الفلسطينية المزروعة في حنايا ذاكرة، فيؤرخ لها ويرويها لتبقى حية نابضة في ثنايا الذاكرة وخبايا الروح، محفوظة لآلىء ترسم طريق الأجيال القادمة. كما أن الأديب يحمل هم الحرف ليبلغ مداه ويروي قصص الأمكنة وذكريات الطفولة، ويحكي باللغة الشعبية المحلية عن العادات والتقاليد التي سكنت النفوس والأرواح، ولا تزال تستوطن الذاكرة الجماعية وتنقلها مشافهة وتوارثا من جيل إلى جيل”.
وأضاف: “سعيد أبو نعسة قلم ينبض بأوجاع الأيام وفلسطين قضيتها وأوجاعها التي لا تهدأ، بل أصبحت الذاكرة مشحونة بأحداثها وأيامها وحتى أدق تفاصيلها، أوجاع الهوية والنزوح، ثم النزوح والهوية، وكأننا نعيش بين غربستان وشرقستان على الحدود المصطنعة والوهمية بين الدول العربية، فتحول النص بين يديه إلى وجع مجبول بطين الأرض، مغروسا بكرامة الوجود والحضور رغم النأي، ممزوجا بألم الكلمة الحرة، فغدت روايته حكايا من طين المكان، تتشابك فيها الأسرار والأبعاد الإنسانية والاجتماعية والدينية والنفسية وحتى المكانية والوجودية وغيرها”.
أبو حمدان
وبدورها K أشارت الدكتورة هالة أبو حمدان ألى أن “الكاتب عبّر عن عظيم المعاناة بأسلوب لطيف يجعلك تهضم الألم والمعاناة دون عسر، تفهم وجع اللجوء وخسارة الوطن لكن دون أن تنفر من متابعة القراءة، إذ حين تثقل الكوميديا السوداء على القارئ، ينتقل الكاتب إلى البيضاء منها، لتتفتح شهية القارئ من جديد على التهام المزيد من الصفحات. العجيب في هذه الرواية هو أنها مكتوبة بأسلوب بسيط، سلس، دون تعقيد، لكنها تزخر بمواضيع شديدة التنوع، كثيفة المعاني وعميقة الأبعاد. فقد بدأت كرواية تاريخية، تسرد من خلال الشخصية الأولى “أبو خليل” أو “محمد” سيرة النكبة والهروب واللجوء، ومعاناة اللاجئين، لتغوص فيما بعد، مع ابنه “رشيد”، في معاني الوطن والمقاومة والعودة والحياة والخالق والدين والعلم مع بعضٍ من الفلسفة”.
وتابعت: “يروي الكاتب معاناة اللاجئين وفقرهم المدقع والتمييز الذي يتعرضون له. واللجوء علامة ذلّ، وموضوع للتنمر. وكأن اللاجئ لا تكفيه معاناته، بل يُحمَّل وزر اللجوء كأنه دليل على تخليه عن أرضه حرّاً بملء إرادته، وعلاقته بالوطن معقدة… خيبات متراكمة بين الوطن الأصلي الذي تغيّر ولم يعد يشبه الصورة المتخيلة عنه، وبين وطن اللجوء الذي لم يصبح وطناً بديلاً رغم علاقة الحب التي نسجتها سنون اللجوء. وتصبح النتيجة شديدة الوجع. أتراه فقد الانتماء لوطن؟ أين هو وطنه؟ أهو الأرض التي تحوي الجذور، وأضرحة الأجداد، لكن فيها أقارب بعيدين لا تعرفهم، أصبحوا يتكلمون لغة أخرى، أم البلد الذي يحوي طفولتك وشبابك، أفراحك وأحزانك، جيرانك وأصحابك؟ الأرض التي حلمت بها طوال عمرك، وتمنيت تقبيل ترابها، أم الأرض التي بكيت حين وداعها، بخيرها وشرّها، وبقيت تحنّ إلى مائها ومذاق الطعام فيها”.
ورأت أبو حمدان أن “المؤلف اختار بطله رجل دين ليضرب عدة عصافير بحجر واحد. أولاً ليعبّر عن نفوره من رجال الدين، ويسخر من استخدام بعضهم الدين بشكل خاطئ. ثانياً ليبين أحد أوجه التمييز العنصري والتنمر الذي يعاني منه اللاجئون. إذ حتى رجل الدين منهم تنعدم فرص العمل أمامه. ثالثاً، ليتمكن من التعبير عن وجهة نظره من الدين والتدين. فهو له نظرة خاصة في هذا المجال. يقول: “لا أكره أحداً إلا ذاك الذي يأكل من كدّ غيره… يتشاوف على الناس بما حصّله من علم مقدس، فيصبح مقدّساً هو الآخر”، وبرأيه الايمان والعبادات هي لله، في علاقة عمودية بين العابد والمعبود”.
الحاج دياب
ولخصت الدكتورة فريال الحاج دياب دراسة الأديب سلمان زين الدين حول الرواية، فقالت: “السرد في الرواية ياخذ شكلين زماني ومكاني، سرد زماني يرويه رشيد نفسه لسائق سيارة أجرة خلال رحلته الى عمان، يعرض تاريخ حياته بتدرجاته المختلفة، المدرسة، المعهد، تجاربه الغرامية الأولى، الدراسة في الأزهر، تجربته في التعليم، الحرب الأهلية اللبنانية، ومواقفه النقدية تجاه التنظيمات الفلسطينية. أما السرد المكاني فهو يعتمد على وصف دقيق للمكان الفلسطيني، مع أن رشيد لم يزر هذه الأماكن من قبل، ما يدل على علاقة وجدانية ووطنية عميقة تمارس عبر المعرفة والتخيل، تعويضا عن الفقد. كما يحتفظ رشيد بذاكرة تفصيلية لأحياء بعلبك وأسواقها، ويودعها قبل سفره في مشهد دال على انشطار هويته بين وطن سليب ووطن مؤقت ويشير النص كذلك الى الثنائيات التي يعيشها رشيد كالعلم والدين، والإيمان والعقل، وثنائية الغيب والواقع، والالتزام والحرية، موضحا ان هذه الازدواجية لا تخص الشخصية وحدها بل تعكس وضعا فلسطينيا عاما في لحظة تاريخية معقدة”.
وختمت معتبرة أن “الرواية تعد عملا ممتعا ومفيدا، وتشكل إضافة إلى الأدب الفلسطيني المعاصر، يصيب الكاتب فيها عصفوري الفائدة والمتعة بحجر السرد الروائي، فيستحق كل التحية والتقدير”.
أمهز
ورأت الدكتورة ريما أمهز أن “عائد إلى… عنوان ينهض على فراغٍ مقصود. وهذا الفراغ ليس اعتباطيًا، بل هو علامة سيمائيّة بحدّ ذاتها، تتجاوز حدود الحذف والاكتمال، لتصبح رمزًا للغياب الّذي يتكثّف فيه حضور آخر: حضور الذّاكرة المهدّدة، والهويّة المتشظّية، والزّمن الّذي يحاول أن يستعيد نفسه من شقوق المنافي. فالكلمة المحذوفة أو المؤجّلة ليست نقصًا لغويًا، بل دعوة لاستعادة ما غاب، وهي ليست مهمّة بقدر ما هو مهمّ ما تفتحه من احتمالات العودة: أهي عودة إلى مكان مادّي أم إلى زمنٍ غابر؟ إلى ذاكرة أم إلى جرح؟ إلى مدينةٍ صودر وجهها أم إلى طفولةٍ لم تُستردّ؟ هذا التّعدّد يضع القارئ أمام شبكة من العلامات، حيث تتحوّل النّقاط الثّلاث إلى مركز ثقل دلاليّ يجذب حوله كلّ إمكانات التّأويل، فلا تظلّ العودة فعلًا جغرافيًا، بل تتحوّل إلى بنية شعوريّة ورمز لاستعادة الكينونة”.
جمعة
ومن جهته اعتبر الدكتور علي جمعة أن “الروايه ليست عودة فحسب، بل هي كشف، وسفر داخلي، وتحول معرفي، إنها رواية لا تُقرأ سرديا، بل ثقافيا، وفق المنهج الثقافي الذي يتيح لنا الإمساك بجوهر الرواية الذي يتجاوز الحدث إلى الرؤيا، ويتجاوز الشخصية إلى الرمز، ويتجاوز اللغة إلى الكشف”.
وقال جمعة: “يرى سعيد ابو نعسة في العودة إلى فلسطين فعلا وجوديا يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعلو على خرائط الأرض، ليأخذ كشفا داخليا، وتحولا في بنية الذات، لا مجرد انتقال جسدي من المنفى الى الوطن. فشخصية رشيد العائد من بعلبك إلى قريته الفلسطينية لا تمثل فردا عاد إلى بيته، بل تمثل الوعي الفلسطيني المتجدد، الذي لا يرضى بالمنفى كقدر، بل يراه منزلا من منازل السالكين، ومرحلة في طريق الكشف. إن العودة في هذا السياق ليست استعادة للمكان، بل استعادة للذات التي تاهت في زحمة المنافي وتبعثرت بين خرائط الشتات”.
وختاما، جرى حوار مع الأديب أبو نعسة حول روايته، اتّسم بغنى فكري وثقافي، غاص في أبعاد الرواية من النواحي كافة، وتطرق إلى الواقع الراهن وتداعياته على المستوى القيمي والرؤيوي والإنساني.
