أشارت وكالة “شينخوا” الصينية، في مقال للصحفي عماد الدريملي، إلى أنّ “في 12 أيلول من العام 2005، كانت حشود الفلسطينيين قد ملأت شوارع غزة، وكانوا يلوحون بالأعلام ويغنون احتفاء بانسحاب آخر جندي إسرائيلي من قطاع غزة. كانت أصوات الأهازيج تختلط بزغاريد النساء، ودموع الفرح تغطي وجوه مسنين أنهكهم الانتظار، بينما الأطفال يركضون بحرية للمرة الأولى فوق أرض كانت قبل ساعات محاطة بالأسلاك الشائكة”.
وقالت: “كان ذلك اليوم بالنسبة لكثيرين لحظة ميلاد وعهدا جديدا، وبداية لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية”، مضيفة: “بعد أشهر فقط، بدأت معالم المرحلة الجديدة بالظهور، حيث بدا أن القطاع يقف على مفترق طرق. فالانتخابات التشريعية عام 2006 وما تبعها من انقسام دموي عام 2007 بين حركتي التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والمقاومة الإسلامية (حماس) لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل حقبة فاصلة غيرت وجه غزة”.
ولفتت إلى أنّه “سرعان ما كان القطاع تحت حصار مشدد أغلقت فيه المعابر واشتدت القيود على السفر والعلاج وحتى الحصول على أبسط مقومات الحياة. في تلك السنوات بدأنا نفهم أن الحصار ليس مجرد إجراء سياسي، بل حكم بالسجن الجماعي على أكثر من مليوني إنسان”.
وأشارت الوكالة إلى أنّ “الحصار على غزة شمل كل تفاصيل الحياة اليومية، لا يتم رؤية الكهرباء والماء إلا ساعة أو ساعتين يوميًا، طوابير طويلة لعبور معبر رفح، اقتصاد يتداعى مع شح المواد، وبطالة تجاوزت نصف الشباب. ومع ذلك، ظل الناس يبحثون عن الحياة: حفلات زفاف في أزقة ضيقة، مقاهٍ مزدحمة، حركة بناء متواضعة رغم احتمال القصف، وأطفال يركلون ويلعبون الكرة وسط الركام”.
ولفتت إلى أنّ غزة شهدت حينها “مدن تعلن الحياة رغم الموت، وفي الوقت نفسه، تزداد الضغوط السياسية والاجتماعية على السكان يوما بعد يوم، دون أي أفق لحل الصراع أو تخفيف المعاناة”.
وقالت “شينخوا”: “بين عامي 2008 و2021 اندلعت مواجهات عسكرية دموية عنيفة بين الفصائل الفلسطينية المسلحة وإسرائيل، ترك كل منها ترك ندوبًا وجروحا أعمق من سابقتها”.
إلى ذلك، أوضحت أنّ “كل شيء تغير صباح السابع من تشرين الأول 2023. الهجوم الذي شنته حماس على جنوب إسرائيل تبعه رد عسكري غير مسبوق، إذ لم يتوقف القصف يوما واحدا”.
وقال الصحفي عماد الدريملي في مقالته في وكالة “شينخوا”: “لم أكن أتخيل أنني سأغادر غزة يوما مجبرا ومضطرًا. لكن بعد اشتداد القصف المتواصل والنزوح المتكرر، أدركت أن بقائي لم يعد خيارا، خاصة مع تزايد المخاطر على عائلتي. لم يكن الرحيل سهلاً. لحظة الخروج عبر معبر رفح إلى القاهرة كانت أشبه بانتزاع جزء من الروح، حيث تركت خلفي أشقائي وأصدقاء فقدتهم في الحرب، وآخرين لم أستطع حتى توديعهم، وبيتي وأرضي المدمرة. كنت أحمل حقيبة صغيرة فيها بعض الأوراق والمستندات، وكأنني أحمل ما تبقى من حياتي في حقيبة يد”.
وأضاف :في القاهرة، الحياة تبدو طبيعية وهادئة، وربما أعيش ما يسميه البعض “راحة مؤقتة”، لكنها ليست راحة حقيقية. فكل خبر عاجل من غزة يوقظني حتى بعد منتصف الليل، أفتح هاتفي لأطمئن على الأهل والأصدقاء، وأشعر بثقل الغياب والذنب في آن واحد؛ فقد نجوت، لكن كثيرين لم يتمكنوا من النجاة. اليوم، وأنا أكتب من بعيد، أنظر إلى السنوات العشرين الماضية بعيون مختلفة، فغزة التي في القلب والوجدان ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل عنوانا لحلم الفلسطينيين بالحرية والاستقلال، يجمع بين الألم والصمود، وبين الخوف والأمل”.
وذكر أنّه “مع ذلك، يبقى أعظم إرث نتركه لأبنائنا ليس البيوت ولا الأرض فقط، بل القدرة على الحلم، حتى لو بدا مستحيلا”.
