كتاب مفتوح إلى دولة الرئيس فؤاد السنيورة
نشر د.رامي سعدالله فنج في جريدة الحرة ـ بيروت
في خطابكم الأخير ضمن فعاليات المؤتمر الثالث للمغتربين في الجامعة العربية في طرابلس تحت عنوان “نعم نحن نستطيع”، وردت عبارة لافتة وجّهتها لأهل طرابلس: “لا رياح ستهبّ لمن ليس له شرائع.”
ولأننا نحرص على النقاش العام الرصين، وندرك أهمية الكلمة في السياسة كما في الذاكرة الوطنية، نجد واجبًا علينا أن نتوقف عند هذا القول، لا على سبيل السجال، بل من المدينة التي قيل فيها، ومن أجلها.
طرابلس، يا دولة الرئيس، ليست مدينة على هامش الشرائع، بل كانت دومًا في صلب مشروع الدولة.
هي المدينة التي انحازت للدولة لا للدويلة، للمؤسسات لا للميليشيات، للمواطنة لا للطوائف.
وإذا كانت اليوم تبدو مهمَّشة، فليس لأن الشرائع غائبة عنها، بل لأن العدالة غابت عنها، ولأن ما طُبّق فيها لم يكن نظامًا دستوريًا، بل سلسلة من المعايير المزدوجة والسياسات الانتقائية.
القول إن “الرياح لا تهبّ على من لا شرائع له” يُفترض به أن يُخاطب من اختار الفوضى أو الانفصال عن الدولة. أما طرابلس، فكانت دومًا تسير عكس التيار الرائج، رافضة الانجرار إلى مشاريع العسكرة أو الخارج، وتدفع الثمن وحدها في كل مرة.
فمن غير المنطقي أن يُقال لها اليوم إنها بلا شرائع، فقط لأنها لم تنلْ حصتها من الريح.
الشرائع، يا دولة الرئيس، لا تُختزل بالخطاب السياسي، بل تتحقق من خلال الإنماء المتوازن، وحضور الدولة، وشفافية العدالة، واستعادة الثقة بالاقتصاد، والتربية، والصحة العامة.
فهل كانت طرابلس تنعم بهذه الشرائع حين كنتم في موقع القرار؟ وهل هبّت عليها رياح التنمية والعدالة حين كانت الحكومات تُشكَّل وتُدار تحت شعارات الدولة، بينما تُدار الملفات بحسابات فئوية؟
إن أبناء طرابلس لا يطلبون الهبات، ولا يسألون العطف، بل يطالبون بما هو حقّ لهم بالدستور والوجدان الوطني:
أن تُرفع اليد عن مقدّرات مدينتهم؛
أن تتوقف سياسة التهميش البنيوي المقونن؛
وأن يُعترف لهم بحقهم الكامل في التمثيل، وفي دورهم الاقتصادي والثقافي والسياسي في معادلة الوطن.
شرائع طرابلس ليست مكتوبة فقط في الدساتير بل في دماء أبنائها، في السجون الممتلئة بالشباب المظلوم، في أحيائها التي قاومت التطرف رغم الإهمال، في مدارسها المنسية، ومؤسساتها التي أُغلقت، ومن أبنائها الذين نزلوا بحر المجهول في قوارب الموت.
نحن لا نطلب من الرياح أن تهبّ علينا، بل نريد فقط أن يُرفع الظلم عن أشرعتنا، كي تبحر بنا نحو الدولة.
لسنا بحاجة لمن يخبرنا عن الشرائع؛ نحن بحاجة لمن يلتزم بها فعلًا لا قولًا، ومن يتذكّر أن الشرائع لا تُنزل على المدن من فوق، بل تُبنى فيها بالعدالة، بالتمثيل، وبالعزة.
إن ما تحتاجه طرابلس اليوم لا هو في الرياح الرمزية ولا في استعارات السياسيين، بل في إعادة الاعتراف بموقعها في معادلة الدولة.
فالإشكال لم يكن يومًا في غياب “الشرائع” عنها، بل في تغييبها المتعمّد عن مسارات التخطيط والقرار.
لقد ثبت أن التهميش لم يكن عرضًا بل خيارًا سياسيًا اتُّخذ تجاه المدينة تحت عناوين أمنية تارة، أو فئوية طورًا، أو استثمارية انتقائية حين لزم الأمر.
لذا، فإن الردّ على هذا الواقع لا يكون بتكرار الشكوى بل ببناء مشروع سياسي مستقل، واضح الأهداف، قادر على تحويل الغبن إلى ملف سياسي داخلي وخارجي قابل للتفاوض والتصعيد الديمقراطي.
فالمدن التي تُحرَم من حقها في المشاركة لا تُحرّرها الخطابات، بل توازنات جديدة تفرضها الوقائع على الأرض.
طرابلس لا تطلب امتيازًا، بل توازنًا. ولا تسعى إلى استثناء، بل إلى شراكة حقيقية تعيد تصحيح الانحراف المزمن في مفهوم الدولة.
وهذا هو التحدي السياسي الحقيقي:
أن تتحول طرابلس من هامش متروك إلى مركز يُحسب له الحساب، ليس بالضجيج، بل بمنطق الدولة الذي طالما دافعت عنه، وانتظرته، وحُمّلت ثمن الوفاء له وحدها.
يا دولة الرئيس،
إن نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة في طرابلس أظهرت أن المجتمع المدني لم يعد مجرّد حالة اعتراضية، بل بات حاملًا لشرائع حقيقية تنبع من الناس، ومن قيم المواطنة والعدالة والتمثيل. هذا الحراك المدني، المتجذر في وجدان المدينة وتاريخها راكم تجربته بهدوء لسنوات، مستندًا إلى طاقات كامنة ورؤية وطنية تتوق لمواكبة التحولات الإقليمية. إنه تصحيح في ميزان الشرعية، ورسالة واضحة بأن طرابلس لم تفقد شرائعها، بل استعادها أهلها بأدوات ديمقراطية، تمهيدًا لدور مركزي في رسم الخريطة السياسية الجديدة للبنان، من موقع الشراكة الفعلية في بناء الدولة.
طرابلس ليست الضعيفة كما أرادوها، بل القوية التي يخشون نهوضها. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في إقناعكم بحقنا، بل في فرضه بالعمل، بالوحدة، وبالتمثيل الحر النظيف.
