- اعلنت مؤسسة “البحث والتوثيق في الموسيقى العربية” (أمار) تنظيم “البينالي الاول” بعنوان “الاغاني الساخرة”. يعتمد “البينالي” في كل دورة على اختيار موضوع محدد من الأرشيف الموسيقي العربي من اجل دراسته المعمقة عبر أنشطة ووسائط متعددة بالتعاون مع مجموعة من الاخصائيين من مجالات علمية ومهنية مختلفة. تهدف هذه الأنشطة الى دراسة الإرث الثقافي في مختلف المناطق العربية وفهم أفضل لخصوصيته ولأطره التاريخية والاجتماعية والسياسية.
في دورته الأولى، يسعى “بينالي امار” للاضاءة على دور الأغنية الساخرة في مقاربة التحديات الاجتماعية والسياسية وتأثيرها المحلي والوطني والعربي على امتداد القرن الماضي. ويشكل رصيد هذه الأعمال وثائق تاريخية في معرفة التحولات المجتمعية وهو بالتالي أحد مكونات الذاكرة الجماعية التي يجب حفظها ونشرها في وجه المحاولات الممنهجة لمحوها.
تتنوع فعاليات هذه الدورة من إقامة فنية الى إطلاق إصدار سمعي وبحثي جديد، بالاضافة الى ندوات وعروض أفلام وثائقية مختصة وسلسلة من الفيديوهات المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي. تختتم الأنشطة بحفلة من الاغاني الساخرة يقدمها المشاركون في الإقامة الفنية.
الدورة الاولى من “البينالي” هي بدعم من الحكومة النرويجية و”الصندوق العربي للثقافة والفنون” – آفاق.
وقد نظمت ندوة للمناسبة تحدث فيها كل من ديانا عباني و الدكتور نادر سراج والأب بديع الحاج .
الأغاني الساخرة في بلاد الشام خلال الانتداب: الذاكرة، والمقاومة، والهوية الثقافية – ديانا عباني
في عام 1936، تعاون الشاعر الفلسطيني نوح إبراهيم مع المغني الحلبي سامي الملاَّح لتسجيل محاورة ساخرة بين شخصيتين عربية وصهيونية، تتناول الصراع القائم آنذاك. عكست الأغنية وعيًا متزايدًا بالمخاطر الجيوسياسية التي تهدد فلسطين والمنطقة، حيث صوّرت العربي كرمز للمقاومة والفحولة، بينما صوّرت الصهيوني كمغتصب يسعى لتحقيق أهدافه بالقوة والمال. لم تقتصر الأغنية على تجسيد الصراع الفلسطيني-الصهيوني فحسب، بل استخدم الفنانان السخرية كأداة للتعبير عن رفضهما لمشروع استعماري يهدف إلى تغيير الهوية والسيطرة على الأرض.
لم يكن هذا الأسلوب فريدًا، فقد سجل العديد من فناني بلاد الشام خلال فترة الانتدابين الفرنسي والإنكليزي أغاني ساخرة ونقدية تعكس القلق من التحولات السياسية والاقتصادية التي كانت تشهدها المنطقة. غنوا لفلسطين والعروبة، ولأوطانهم المتخيلة سوريا ولبنان، وأشادوا ببعض الملوك كـ الملك فيصل والملك فؤاد. كما حذروا هتلر من مغبّة الحرب، وانتقدوا عصبة الأمم ودورها في زعزعة استقرار المنطقة، بالإضافة إلى انتقاد الانتدابين الفرنسي والإنكليزي لاستغلالهما للموارد البشرية والاقتصادية والطبيعية في البلاد. لم تقتصر انتقاداتهم على ذلك فحسب، بل شملت أيضًا الفروقات الطبقية، الفساد، والفقر.
تعد هذه الأغاني الساخرة والنقدية من أبرز مظاهر التعبير الفني في بلاد الشام خلال فترة الانتداب، حيث قدمت صورة حية عن الواقع الاجتماعي والسياسي المأزوم. اليوم، تشكل هذه الأغاني وسيلة للعودة إلى ماضي المنطقة وإعادة التفكير في تأثيرها على تشكيل هويتها الثقافية آنذاك. فالأرشيفات الصوتية ليست مجرد مستودعات للذكريات، بل تعكس مشاعر الشعوب وتطلعاتها، مما يساعدنا على فهم التحديات التي واجهتها ويسمح لنا بإعادة قراءة الماضي من منظور يتعدى الحنين المفرط إلى “زمن جميل”.
غالبًا ما تُقدّم التصورات الحديثة لتاريخ المنطقة، سواء في السينما أو المسرح أو الإعلام، الماضي من خلال عدسة غربية رومانسية أو استشراقية، استنادًا إلى الحساسيات التي فرضتها التصورات السائدة في الإعلام الغربي عن ماضينا أو ماضيهم. يُفرغ هذا النهج الثقافة المحلية من جوهرها ويقلل من تعقيداتها، في حين أن الهوية الثقافية هي عملية مستمرة من التشكيل والتغيير، تتأثر بالذاكرة والخيال والسرد. في ظل التفكك الراهن الذي تشهده المنطقة، بما فيه من حروب وإبادة ومحاولات للمحو الثقافي والجغرافي، تبرز الحاجة الملحة إلى استعادة ماضٍ مشترك، ليس ببعيد، ليكون أساسًا للتأكيد على وجودنا المستمر. فاستحضار هذا الماضي ليس مجرد استذكار، بل هو ضرورة لإعادة بناء سرديتنا الخاصة عن تاريخ المنطقة المشترك، الذي يعبّر عن تنوعها، وصراعاتها، وتناقضاتها.
النمط الغنائي “المدني” وتحديات الهوية الثقافية
بعد انهيار السلطنة العثمانية وفرض الانتدابين الفرنسي والإنكليزي، شهدت بلاد الشام تغييرات سياسية واقتصادية كبيرة، إضافة إلى تحولات اجتماعية مثل انتشار الملاهي الليلية وصعود الطبقات الوسطى في المدن. كما شهدت وسائل الترفيه تحولًا كبيرًا من العروض الحية إلى الإذاعات والأسطوانات المسجلة، مما أثر بشكل ملحوظ على الحياة الموسيقية. تنقل فنانو بلاد الشام من مختلف الطوائف والمناطق مثل عمر الزعني، وسلامة الأغواني، ولور دكاش، وعبد الغني الشيخ، وموسى حلمي، وإيليا بيضا، وغيرهم، وسجلوا أغاني ساخرة ونقدية ساهمت في تشكيل هويات ثقافية وفنية مشتركة. وفي ظل القلق من الحداثة وهيمنة الثقافة الغربية والاستعمار، وجهوا انتقادات حادة لتآكل القيم التقليدية، مشيرين إلى التوتر بين الحفاظ على الهوية المحلية والسعي لتشكيل هويات جديدة تتماشى مع العصر الحديث.
استخدم الفنانون السخرية واللغة العامية لانتقاد الاستعمار والنخب المتواطئة معه، إضافة إلى المجتمعات المتفرنجة، في ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة. فناقشت أغانيهم عدة قضايا رئيسية، من أبرزها موضوع تحرير المرأة وتأثيره على العائلة والمجتمع، بالإضافة إلى التغييرات في الأدوار الاجتماعية والصراعات الطبقية. كما سلطت الضوء على التوتر بين التقليد والحداثة، مع انتقاد التأثيرات الثقافية الغربية التي اعتُبرت تهديدًا لهوية المنطقة الثقافية. تطرقت أيضًا إلى مقاومة التحديث المفرط، مشيرة إلى أهمية الحفاظ على التراث الثقافي المحلي في مواجهة استهلاك الثقافة الغربية.
وفي الوقت نفسه، قدمت هذه الأغاني نمطًا غنائيًا “مدنيًا” يتماشى مع التوقعات الاجتماعية الحديثة، لكن هذا النمط عزز في الواقع الأدوار التقليدية للرجولة والسلطة الأبوية، مما يعكس ترددًا في تجاوز القيود المجتمعية التقليدية. بينما كانت تدعو إلى التمدن والتقدم، فقد كانت أيضًا تكرس القيم التقليدية والأبوية التي تحصر المرأة في أدوار معينة، في الوقت الذي شكلت فيه بديلاً حضاريًا للأشكال الموسيقية النسائية التقليدية مثل الطقاطيق والقدود، التي كانت تُعتبر أكثر تحررًا وأحيانًا فاحشة. بهذا، كان “التمدن” في هذه الأغاني لا يشمل تحررًا حقيقيًا للمرأة أو تفكيكًا للسلطة الأبوية، بل كان يهدف إلى الحفاظ على الأسس التقليدية مع إضافة لمسة من الحداثة الظاهر.
من خلال أغانيها، عكست هذه الأعمال أفكار الأدباء والسياسيين والشعراء حول التحرر، التمدن، والقوميات، وقدمت أغانٍ شعبية استمتع بها مختلف طبقات المجتمع. كما جسدت تطلعات الطبقات الوسطى الصاعدة في تلك الفترة ورؤاها حول الحياة المدنية الحديثة والمواطنة، مما عزز مكانة المدن كمراكز حضرية يشعر المواطنون فيها بالفخر والانتماء. في المقابل، تم تهميش الأرياف والمناطق النائية. رغم تركيز هذه الأغاني على التغيرات الاجتماعية، فإنها قدمت المدن الحديثة كمراكز ثقافية وحضارية، مما ساهم في تعزيز النموذج الحضري كمثال للتقدم والتحضر. وهذا التصوير للمدينة كرمز وحيد للتطور أغفل التنوع الثقافي والتقاليد الموسيقية في المناطق الريفية، حيث كانت تحمل موروثات موسيقية غنية.
غالبًا ما جمعت هذه الأغاني بين الإعجاب بالحداثة والانتقاد اللاذع لمظاهر التغريب، مما أظهر التناقضات الواضحة بين الحفاظ على الهوية الثقافية المحلية والتأثر بالموسيقى الغربية وأساليب التلحين الأوروبية. بينما كانت تُروج للهويات القومية وتعزز الوطنية، تبنت في الوقت ذاته بعض الأساليب الغربية في التلحين والعزف وكتابة الأشعار القومية، مما يعكس تناقضًا بين الدفاع عن الهوية المحلية وتبني بعض جوانب الثقافة الغربية. هذه التناقضات لم تكن مجرد انعكاس لواقع اجتماعي فحسب، بل كانت جزءًا من محاولة معقدة لإعادة تشكيل هوية المنطقة في ظل الصراع المستمر بين ماضيها الذي تم التخلّي عن بعض ملامحه بسبب الاستعمار، وبين الحاضر الذي تأثر بنماذج غربية.
تفكك التنوع الثقافي مع صعود الدول القومية الحديثة
مع بداية استقلال دول المنطقة في الأربعينيات، وتحديد حدود جغرافية فاصلة، بدأت الهويات القومية المنفصلة في الترسخ، مما قلل من التنقل الثقافي السلس والتعاون بين الفنانين والشعوب. وقد أدى التأكيد على هذه الهويات إلى تهميش جوانب متعددة من التراث الموسيقي والتنوع الثقافي الذي كان يميز المدن الكبرى والأرياف البعيدة، لصالح رؤية ثقافية تتماشى مع القيم القومية المستوردة من الغرب. أثّر هذا التوجه على الذاكرة المشتركة التي كانت تربط شعوب المنطقة في العهد العثماني أو تحت الانتداب، حيث شهدت تلك الفترات تفاعلاً ثقافيًا غنيًا. كما ساهم هذا التوجه في فقدان جزء من التنوع الثقافي والديني واللغوي، مما تسبب في تغييرات عميقة في الهويات الثقافية بهدف التخلص من ملامح الماضي وإرساء أسس دول قومية حديثة. وقد عزّز هذا التحول جهود القوى الاستعمارية التي سعت لتصوير المنطقة على أنها شعوب وطوائف متناحرة إلى ما لا نهاية، ولا يزال هذا المسعى مستمرًا حتى يومنا هذا.
الغناء الساخر على وتر بيروتي – نادر سراج
عتبة
تندرج مداخلتنا في إصدارٍ يليقُ بصُنَّاعِه، ويُطيلُ إمتاعَ قارئيه ومُستمعيه على السّواء. نستلهم من عيون التراث عبارة جاحظية مُبينة تُناسب المقامَ: “الكتابُ هو الّذي إذا نظرْتَ فيه أطالَ إمتاعَك”. فنضيف: إذا أردتَ أن تُسعِدَ مجتمعًا فقدّم له معرفةً يختزنها كتابٌ أو وسيطة إلكترونيّة. ووثِّق تراثَه الشعبي الغنائي، وقدّم له مكتبةً غنائيةً رقميةً وورقية. وهذا ما أدركته “مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية”، فمدارُ إصدارها كلماتٌ مُغناةٌ، مُصطفاةٌ من تراثنا الشعبي الساخر.
مُستهلُّ الكلام “فاتحُ شهيةٍ” فنّي محورُه “العودُ”. ففيما مضى كانت آلة العود وماكينة الخياطة بجارورَيْن و”عِدّة” التطريز، بما فيها “الطّارة” ، من أركان “جهاز” بنات المدن. يومها نصّ عقد زواج أبناء الجبل ماكينة خياطة بأربعة جوارير. الطّارة وصُنوها الدّف ما غابا عن اسكتش غنائي من كلمات عبد الجليل وأداء الفنانين نصري شمس الدين ونجاح سلام “انقر يا دفّ عَ الطارة”.
لِمَ الحديثُ عن آلة العود في رحاب “متحف سرسق”؟ لأنه واحدٌ من مستلزمات “يوم الاستقبال، المنعقد شهريًا في الدور البيروتية الرحبة، العابقة دواخلُها بائتناسٍ حضَريّ نسْويّ أليفٍ وصاخب.
تشاطرَ أفرادُ العائلات الغناءَ التطريبي والعزفَ والآهات والرقص في السهرات؛ فالبيروتي والشامي تنافسا مع الحلبيّ، عزفًا شجيًا وغناءً وأداءً للموشحات والطقاطيق. المُقِلُّ إبداعًا منهم اكتفى بعزف “رقصِة سِتّي”، يغمرُه شعورٌ بأنه يؤدّي قسطَه المتواضع في الجهد التطريبي المأمول. الأيامُ “التي نداولُها بين الناس” باعدت بينهم، وفَرّقَ “سايكس بيكو” شملَهم، ويبدو أنه ماضٍ في مهامِه لليوم. لكن غوايةَ الغناء وهوايةَ العزف، سَمَاعًا لا نوتةً، جمعتهم في سهرات الأنس والإمتاع. فالفنُّ لغةٌ شعورية ساحرة عابرةٌ للتخوم.
فتًى، في عقدي الأول، لا يغادرُ مَسمَعي صوتُ أمّي نادرة الجَمّال تصدحُ بصوتها الرخيم بأغنية أسمهان “اسقِنيها بأبي أنتَ وأمّي.. لا لتجلو الهمَّ عنّي.. أنتَ هَمّي”. قيلَ يومَها إن كلمات الشاعر بشارة الخوري وألحان الفنان محمد الـقصبجي تآزرتا، فحوّلتا صوتها “إلى آلة موسيقية بشرية”.
الغناءُ الشرقي المُتقنُ كان يأخذ بألباب الحضور، متى كان يُصاحبُ في الداخل المنزلي بعزفِ شجيّ على العود، معقودِ اللواء في العادة لـِ”بنات العائلات”، أو لعازفٍ فاقد البصر، عند اللزوم. وباعتباره من مُتمِّمات ركائز الاجتماع الثقافي “النسائي”، كنَّ يتفاخَرنَ، بما فيهنَّ الوالدة، باقتنائه. عودُها الذي صنعه العوّاد الحلبي جوزيف قصابيان عام 1985، كما دُوِّنَ على مُلصقةٍ خبيئة في جوفه باتَ من المُقتنيات العائلية المتوارَثة. آنذاك اختصّ الأرمنُ بصناعة الأعواد وتصليحها.
موسيقى “ما بين الحربين” – التحليل اللساني متناولًا النقد الاجتماعي
الكتابةُ روحُ الحياةِ والقراءةُ والسَّماعُ يستحثّان المتلقي للاطلاع والإصغاء، و”الأغاني الساخرة” بستانٌ أخضر تحرّكُ قطوفُه الجوارحَ، فيوقظ مخبوءاتِ التراث ومَكنوزاتها، ويقتطف منها كلماتٍ والحانًا تجمع النقديَّ الإصلاحيَّ إلى الساخر الظريف بأسلوب يحاكي ثقافة “ما بين الحربين”.
تبصّرنا فكتبنا عن لوامع عصرهم وتنويرييّ بلاد الشام: عمر الزعنّي وسلامة الأغواني وإيليا بيضا ولور دكاش وسامي الصيداوي وإبراهيم كريّم وسواهم. تقصّينا أساليبهم المبتكرة لنظم روائعَ الكَلِم وسرد الوقائع وانتقاد المواجع المُفعَمة بمجازات الغمز واللمز والنكز و”المَقْدَحَة” (الخِصام).
الزعنّي الذي استندنا بوفرة إلى أشعاره الساخرة كان نسيجَ وحْدِه. حياته الشعرية بدأت هواية ثم تطورت فأصبحت مهنة. استعصى تقليدُه على آخرين؛ لذا يبوح بثقةٍ لمستمعيه: “لا يمكن لأحد أن يخلفني في لوني الجديد، الانتقادي اللاذع، فالصيداوي (سامي) أراد ولم يفلِح، وغيره كثيرون مثل سلامة الأغواني”. كانت المرة الأولى التي يتناهى إلى مَسْمعي اسم الأغواني، منافسًا الزعنّي. أورثني صاحب “الحساميات” الصحافي والشاعر إبراهيم كريّم، زوج عمّتي إحسان، كتابَ “المذاهب والأدوار والمواويل والطقاطيق والموشّحات”، فوقعتُ على كَنزٍ أدخلني فضاءً لطالما جَهلَه أبناءُ جيلي. استزدتُ علمًا وفضولًا بخبايا الموسيقى الشرقية وأعلامها، فتعرّفت على عالم المذاهب والمواويل والأدوار، المأخوذة على الأسطوانات بعناية (شركة الجراموفون، وبيضافون، وأوديون).
ملخص المداخلة
تشكل الأغاني الساخرة والنقدية في بلاد الشام خلال فترة ما بين الحربين وثيقة لغوية وبلاغية شعبية غنية، تعكس للقارئ المهتمّ كيف أصبحت الموسيقى أداة خطابية مُيسَّرة الإبلاغ وبالغة الانتشار، تعبّر عن الواقعين الاجتماعي والسياسي المأزومَيْن، بأسلوب ساخر ونقدي بنّاء.
أسلوب لا تغادره الظرافة والفكاهة اللازمتين لشدّ انتبه المتلقّي والترفيه عنه في آن. نجحَ واستقطبَ أسمَاع الجمهور المتلهّف للتواصل مع فنّانيه، المًتجرِّئين على لغة الحكّام الخشبية بلغة الشعراء، بل لغة الناس، المرنة والشفّافة والمباشرة على السّواء. زادهم الكلمة الموحية والعبارة السّهلة التشفير، وتقنيتهم التلاعب الوظيفي بالمفردات، دلالةً وتوريةً واستعارةً، فضلًا عن توظيف المجازات الشعبية، والمزج بين مستويي العامية والفصحى. تجسّد هذه الأغاني التحولات التي طرأت على اللغة في ظل التغيرات الاقتصادية والثقافية والاستعمارية/الانتدابية التي شهدتها المنطقة. الحداثة الوافدة التي تلقّوها، ما حالت دون تمسّكهم بأعرافهم الاجتماعية وهوياتهم القومية كما يرد في متن الإصدار.
تتناول هذه المداخلة اللسانية المُعالِجة، والمنتهِجة تقنية تحليل الخطاب، وتحديدًا حسّ الفكاهة الساخرة، البنيةَ التركيبية اللغوية لرزمةِ أغانٍ شعبية شاعت في زمانها، كتبها ولحّنها وأدّاها الجيل الذهبي لفنّاني بلاد الشام ما “بين الحربين”. تطرّقنا إلى كيفية توظيف الشعراء المدروسة نصوصهم، التعابير الدارجة، والصور المجازية الطريفة، وترسّمنا خطوات ابتداعهم صيغ التلاعب اللغوي الجذاب، بغية رسم صور واقعية ودقيقة عن حيوية مجتمعات شامية، آخذة بأسباب التطور، وخاضعةً لسنن التطور والتحول.
تبيّنا بالشواهد ظروف احتكاك اللهجات الشعبية بتباشير الحداثة، وتداخل الفصحى مع العامية، وتأثر لسان الضاد بتدفق المقترضات وتزايد الاقتباسات الغربية، بما فيها تلك النفعية للاحتياجات التواصلية المستجدّة. من قلب الأسواق حيث تتزاحم الأقدام، ومن الشوارع ولّادة نداءات الباعة المرصّعة بمجازات غاية في الطرافة، إلى المسارح والإذاعات، وسائط التواصل الجماهيري، انتشرت أعمال فنانين مبدعين أثروا الفضاء “الشامي” بأعمالهم، مثل: عمر الزعنّي، وسلامة الأغواني، ونوح إبراهيم، وإيليا بيضا، لتصبح جزءًا من المشهد النقدي والاجتماعي العربي يومذاك.
عبر تحليل لغوي واجتماعي، مُدعّم بتقنية تحليل الخطاب، تستكشف هذه الدراسة التطبيقية، كيف تحولت الموسيقى إلى مساحة تعبيرية رحبة لصياغة لغة الاحتجاج والانتقاد البنّاء، من خلال تفكيك التفاوتات الطبقية، وتسليط الضوء على الأزمات الاقتصادية، وانتقاد التغريب في أنماط الحياة وصولًا إلى سوء فهم مفردات لهجية تُتداول في ممارسات يومية، وتعود لبيئات عربية غير شامية (مصرية). لم تكن هذه الأغاني مجرد وسيلة تسلية وترفيه، بل أرّخت التوترات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ميزت تلك المرحلة، لتظلّ شاهدًا حيًا على تحولات اللغة والمجتمع في فترات جيوسياسية عاشتها مجتمعاتنا. حسبنا أن المداخلة، والإصدار، يشكلان سجلًا حيًّا لتاريخ الموسيقى الشرقية- بأغانيها الساخرة – في أزهى عصورها. نقدّر مبادرة (أمار) التي جمعت شملنا وأيقظت صفحات منسيّة ومهمّشة من تاريخ السرديات المُغنّاة التي أيقظت النفوس وحولت مسار الفن التطريبي من البارات وعلب الليل إلى المسارح المكشوفة، ومنها إلى المواطن الإنسانية المعمورة. حقيقٌ أن مفردات من لغة “الغالِب” (وفدت مع المستحدثات الغربية) تسللت إلى جَردنا المفرداتي، لكن مرونة الضاد -وخاصيّة أهلها- دجّنتها واستوعبتها وتجاوزتها، تعريبًا وترجمة، وحسنَ توظيف.
الخصائص الموسيقية للأغاني الساخرة – الأب بديع الحاج
تُعدّ الأغاني الساخرة ظاهرة فنية غنيّة تُعبّر عن قضايا اجتماعيّة وسياسيّة من خلال المزج بين الألحان البسيطة والكلمات النقديّة. ترتكز هذه الأغاني على عناصر موسيقيّة متنوّعة تشمل الزجل والملاحم الشعبيّة، حيث تلعب الموسيقى دورًا محوريًّا في تعزيز التأثير الساخر، سواء من خلال التكرار اللحنيّ، أو التفاعل الحواريّ، أو التنوّع في الأساليب الغنائيّة. تطرح الدراسة تساؤلًا حول دور الموسيقى في تعزيز السخرية والنقد داخل هذه الأغاني، وتسعى إلى تحليل الأساليب الموسيقيّة المختلفة لمعرفة مدى تأثيرها في تحقيق الهدف الفنيّ.
البنية اللغويّة والموسيقيّة للأغاني الساخرة: تعتمد الأغاني الساخرة على استخدام اللغة العاميّة، مما يسهّل تواصلها مع الجمهور. هذا النمط اللغويّ يساهم في جعل الأغنية أكثر بساطة وتأثيرًا، مما يُمكّنها من الإنتشار الواسع. موسيقيًّا، تتّسم الألحان بالبساطة مع حركة محدودة ضمن السلّم الموسيقيّ، ما يجعلها سهلة الحفظ والترديد. كما يعتمد الأداء على التكرار اللحنيّ الذي يُبرز معاني النصوص ويؤكّد على الرسائل الساخرة.
تنوّع الأشكال والأساليب الغنائيّة: تتجسّد الأغاني الساخرة في أشكال موسيقيّة مختلفة، مثل المونولوج، والديالوج، والطقطوقة، والموّال، والنشيد. يتمّ اختيار الشكل الغنائيّ بناءً على طبيعة الرسالة المراد إيصالها؛ فالمونولوج يُستخدم عادةً لإبراز السخرية الفرديّة، بينما يُستخدم الديالوج في الأغاني التي تحاكي النقاشات الجدليّة بشكل ساخر، فيما تمنح الطقطوقة فرصة للجمهور للتفاعل من خلال الترديد.
الفرق الموسيقيّة المرافقة: تعتمد هذه الأغاني على فرق موسيقيّة صغيرة، حيث يكون التخت الشرقيّ التقليديّ الأكثر حضورًا، مع هيمنة العود، والقانون، والكمان، بينما تظهر آلات غربيّة مثل البيانو في بعض الأعمال ذات الطابع الغربي. تعتمد الأغاني الساخرة في كثير من الأحيان على مرافقة موسيقيّة جماعية تعزف نفس الجملة الموسيقيّة دون توزيع معقّد، مما يساهم في إبراز وضوح النصوص وكلمات الأغاني.
الأسلوب الأدائيّ الساخر وأثره في إيصال الرسالة: يعتمد الأداء الغنائيّ في الأغاني الساخرة على تقنيّات مثل تحوير الصوت، والإلقاء المسرحيّ، وإدخال الكلمات المحكيّة حتّى المبتزلة منها. على سبيل المثال، يوظّف سلامة الإغواني هذه الأساليب في أغنية “كلّ الحق على الداية”، حيث يُستخدم الأداء الموسيقي لمواكبة الكلمة الساخرة، فيما تأتي بعض الألحان بأسلوب قريب من أغاني الأطفال، كما هو الحال في “شو عملنالك يا نونو”، مما يعزّز التناقض بين اللحن البريء والمعنى النقديّ.
التناغم الموسيقي واستلهام التراث: يَظهَر تأثير التراث الموسيقي الشعبي بشكل واضح في الأغاني الساخرة، حيث يتمّ استخدام مقامات مثل الراست، والبيات، والحجاز، والعجم، والسيكاه لإضفاء طابع ساخر يتماشى مع سياق الأغنية. يستخدم مقام الراست عادة في الأغاني ذات الطابع السردي، بينما يبرز مقام الحجاز في الأغاني التي تعكس السخرية بطريقة وجدانية، كما يعكس مشاعر الحزن على كلمات تهكميّة ممّا يزيد من حدّة السخرية، أما مقام العجم، بطابعه الجدّي، فيُستعمل لإبراز المفارقة بين الجديّة والسخرية في الأناشيد.
يساعد استخدام مقامات مألوفة في تعزيز التفاعل العاطفيّ مع الجمهور، كما في أغنية “يا توت الشام” لعمر الزعني، حيث يعكس الإنتقال بين المقامات تصاعد حدّة الإنتقاد. مقارنةً بالأغاني التقليديّة، تعتمد الأغاني الساخرة على التباين بين الموسيقى والكلمات بدلًا من الإنسجام، مما يجعل الموسيقى أداة أساسيّة لتوصيل الرسائل النقديّة.
التأثيرات الغربية والمصرية: شهدت الأغاني الساخرة في بلاد الشام تأثّرًا واضحًا بالموسيقى الغربيّة والمصريّة، حيث يظهر هذا التأثير في تبنّي أساليب موسيقيّة مستوحاة من الأوبرا، والجاز، والموسيقى العسكرية. على سبيل المثال، توظّف أغنية “سباق الخيل” لعمر الزعني ألحانًا وتقنيّات غنائيّة غربيّة بأسلوب ساخر لإبراز المفارقات الإجتماعيّة. كما تركت الموسيقى المصريّة بصمتها في هذه الأغاني، حيث تأثّر الفنّانون الشاميّون بأعمال سيّد درويش ومحمّد عبد الوهاب، وهو ما يظهر في استخدام اللهجة المصريّة في بعض الأغاني، كما هو الحال في “وقّف خدني بأتوموبيلك”.
الخاتمة
تمثّل الأغاني الساخرة في بلاد الشام انعكاسًا للمجتمع بمختلف تحدّياته، حيث مزجت بين التراث المحلّي والتأثيرات الموسيقيّة الغربيّة والمصريّة، مما مكّن الفنّانين من التعبير بأساليب مبتكرة. إعتمدت هذه الأغاني على بساطة الألحان وقوّة الكلمات الساخرة، إلى جانب الأداء المسرحيّ الذي دمج بين المزاح والجدّيّة لنقل رسائل نقديّة جذبت الجمهور. تؤكّد الدراسة أنّ الموسيقى الساخرة ليست مجرّد ترفيه، بل أداة فعّالة للتعبير عن القضايا الاجتماعيّة والثقافيّة، مما يجعلها جزءًا أساسيًّا من التراث الموسيقيّ، تعكس روح العصر بإبداع وتنوّع.
الأغنية الساخرة المصرية في العقود الأولى من القرن العشرين – فريدريك لاجرانج
للأغنية الساخرة المصرية إرهاصات وثّقها المؤرخون والأدباء وأتى بنماذج منها كِتاب «وصف مصر» الذي ألفه العلماء المرافقون لحملة بونابارت. غير أنّ ما جاء به القرن العشرون من مستجدات هامة في مجال الأغنية الساخرة هو مشاركة الموسيقيين «المشروعين»، حسب تعريف بورديو، في هذا الفن الذي كان يُصنف قبل ذلك في خانة «الغناء الشعبي» أو «البلدي»، المعبر عن «العبقرية الشعبية العفوية»، مع ما يحمله هذا المفهوم من سذاجة رومانسية. القاسم المشترك بين الأغاني الساخرة التي ذكرتها شتى المصادر التاريخية قبل بداية القرن العشرين هو أنها نابعة عن هذا «الشعب» المثالي فبالتالي لا صاحب لنصوصها ولا ملحن لأنغامها، ولا صوتَ معينا مرتبطا بها، إذ تُعزى في الغالب إلى الفئات الدنيا في الهرم الطبقي. وبالفعل، لا يمكن قَرْن أسماء كبار موسيقيي القرن التاسع عشر، فطاحل عصر النهضة أمثال عبده الحامولي أو محمد عثمان أو الشيخ يوسف المنيلاوي، بأغنية ساخرة واحدة، لأن ذلك يكون «دون مستواهم» ولأن الطرب في مفهومه النهضوي السائد يتنافى مع السخرية والنقد، بل مع الضحك. كان الشيخ سلامة حجازي، رائد المسرح الغنائي التراجيدي، أول من أدخل جديدا في الغناء المتقن وهو أن «حكي» مضمون، أن مفهوم السرد، فكرة أن يكون للنص المغنَّى مضمونٌ سردي مقترن بأماكن وأسماء وأزمنة معينة، وليس فقط بمواقف غرامية مجردة، قد يتوافق مع أداء صوت عالم ومصقول ومع لحن معقد ومع أداء تطريبي بحت. غير أن هذا الانفتاح المواضيعي ظل محصورًا في «الحماسة» (إن كنت في الجيش نموذجا) وفي التراجيديا (سلام على حسن). صحيحٌ أن المسرح الغنائي الفكاهي، الذي أخذ يزدهر حول فترة الحرب العالمية الأولى، آخذا من فن الأوبريت الفرنسي والبريطاني نموذجا له، لم يعتمد بالضرورة على أصوات جبّارة (فنجيب الريحاني وبديعة مصابني، على سبيل المثال، يُعتبران مجرد مؤدين، لا ذرة طرب في صوتيهما) ولكن النصوص الساخرة لهذه الأغاني المسرحية، هذه النصوص المنتقدة للظروف التي فرضها الاستعمار البريطاني والسلطات الموالية له، أو المعلقة على التغيرات الهائلة الطارئة على المجتمع، لم يبتدعها مجهولون كادحون من أبناء الشعب، بل شعراء وأدباء ومثقفون مرموقون معترف بهم في الأوساط الأدبية، سواء أكانوا مشايخ كالشيخ يونس القاضي أم أفندية كبديع خيري أم الشاب السكندري الثائر بيرم التونسي، كما أن أصحاب الألحان التي كانت تُترجم نغميا هذه الأفكار الساخرة كانوا ملحني الموشحات والأدوار والقصائد التي يتغنى بها المطربون في الوصلات الطربية، من داود حسني إلى سيد درويش أو زكريا أحمد في بداياته. بالتالي، خرجت الأغنية الساخرة من النطاق المبهم الذي يُنعت بالـ«أغنية الشعبية»، لتصير مُنتجًا ثقافيا متقنا تراهن عليه النخبة الأدبية كوسيط فعال من أجل نقل خطابات نقدية أو إصلاحية تم تشفيرها في صيغة فكاهية مرحة.
وإن كان للمسرح الغنائي حضورٌ طاغٍ على الساحة الثقافية المصرية في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، وإن كان كما يبدو قد نال إعجاب النخبة الأدبية (باستثناء بعض المتذمرين المتزمتين أمثال هذا الذي رأى، حين تفشى خبر وفاة سيد درويش سنة ١٩٢٣، أن يعلق بـ«انتهى الهلس في البلد»، علما أن هذه المقولة الحاقدة تُعزى تارة إلى مصطفى بك رضا القانونجي الارستوقراطي، وتارة أخرى إلى الملحن إبراهيم القباني)، يبقى أن هناك مفارقة محيرة في الاهتمام المحدود الذي أعارته شركات الاسطوانات بالألحان المسرحية، سواء الساخرة منها أو الرومانسية أو الحماسية. قد يلعب الخوف من الرقابة الاستعمارية دورا في هذا العزوف النسبي عن تسجيل الألحان وتوثيقها، غير أن الفرضية الأصوب تكمن في فشلها التجاري، وهو المعيار الأهم لشركات الاسطوانات. ولولا شركة مشيان التي أتاحت لفتحية أحمد وحياة صبري وسيد درويش أن يسجلوا عددا من الألحان المسرحية، إضافة إلى ما سجلته جراموفون من ألحان مسرحيات الريحاني في النصف الثاني من العشرينات، لم نكن لنعلم كيف كانت تؤدَّى بأصوات مَن كانوا يؤدونها أمام الجمهور… غير أن شركات الاسطوانات أتاحت للأغنية الساخرة أن توزّع وأن تنجح جماهيريا في شكل الطقطوقة الاجتماعية، الأقرب إلى ذائقة الموسيقى الطربية. الأغنية الساخرة، التي تعلّق على صدمات الحداثة والتبني السريع لعادات دخيلة تم تطبيعها، هي بمثابة مؤشر على رد فعل المجتمع التقليدي على ما عاشه من تحولات جذرية، بخاصة في ما يخص تواجد النساء في الفضاء العام وما يقتضيه ذلك مِن تعلُّم لأصول الاختلاط والتأقلم مع مطالب نسوية ناشئة. وإن كان مضمون النصوص في معظم الأحيان رجعي النبرة معبرا عن شكوى ذكورية تحتج أمام أي هزة قد تحول دون سيطرة الرجال، يبقى أن قراءة بين سطور النصوص تكشف عن مجتمع متغير يسائل قناعاته. شعراء الطقاطيق الاجتماعية أخذوا على عاتقهم مهمة ترجمة القلق الاجتماعي أمام تدفق الحداثة وتحويل هذه القلق العام إلى أغانٍ مضحكة تارة ومؤثوة تارة، غناها جيل من المغنين والمغنيات ذوي أصوات قديرة بالإضافة إلى معرفة عميقة لمقومات الطرب، أمثال صالح عبد الحي وأمين حسنسن ونعيمة المصرية ورتيبة أحمد وغيرهم كُثر، حتى انتهت هذه الموضة مع قدوم الثلاثينيات والعودة إلى الاغنية العاطفية كقالب مشروع أوحد. تهدف هذه المداخلة إلى تسليط الضوء على هذه الفترة الوجيزة والبحث عن الإنتاجات الثقافية التي تلتها وتنتسب إليها بشكل غير مباشر.
رحلة تقاليد الغناء الاحتجاجي الساخر في مصر من المسرح الغنائي إلى ميدان التحرير – طارق عبدلله
تشير بعض المصادر إلى تأصل وجود الأغنية الساخرة في الأوساط الشعبية المصرية التي كانت في بعض الأحيان تطال الحكام والقوانين الصادرة عنهم. كما يبدو أن وجود هذا اللون من الأغاني لم يقتصر على القاهرة والمدن الكبرى، بل امتد إلى مدينة أسوان قرب الحدود الجنوبية حيث ذاعت فيها أغنية خلال القرن ال ١٩ تدعو الطاعون إلى القضاء على حاكمهم الطاغي وكاتبه. وقد حازت تلك الأغنية على اعجاب ادوارد لين الذي يقول في كتابه (عادات المصريون المحدثون وتقاليدهم): “ويميل المصريون خاصة إلى الهجاء. وكثيرا ما يظهرون ذكاء في تهكمهم ومرحهم. وتساعدهم اللغة العربية على استعمال التورية والحديث المبهم الذي يتهكمون فيه بكثرة. وتهجو الطبقات السفلى حكامها في الأغاني ويسخرون من هذه القوانين التي يقاسونها كثيرا” .
سمح الحراك الاجتماعي-الثقافي والجيوسياسي الضخم الذي ميز الربع الأول من القرن العشرين، والمشروع الطليعي للثنائي بديع خيري وسيد درويش-وغيرهم- بازدهار هذا النوع من الغناء من خلال المسرح الغنائي الذي حفظت لنا الأسطوانات الحجريّة والأرشيف الإذاعي بعضا منها. تحول هذا المشروع إلى (تقليد) شعري وموسيقي بعد أن تلقفه أجيال من المريدين الذين نهلوا منه وأضافوا إليه-من أمثال بيرم التونسي والشيخ زكريا أحمد، وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى (دون أن ننسى نجيب شهاب ونجيب سرور وفؤاد قاعود)، صلاح جاهين، فؤاد حداد وسيد مكاوي وغيرهم – وبعد أن أصبح هذا الرصيد الكبير من الإنتاج والتراكمات جزءا أصيلا من الوعي الجمعي.
ساهم فن المونولوج الفكاهي الذي ازدهر من خلال السينما من خلال أبو السعود الابياري وفتحي قورة ومؤديين مميزين كإسماعيل يس ومحمود شكوكو في الحفاظ على هذا النوع من الفن الناقد وتطويره بعد انحسار دور المسرح الغنائي.
أسس نظام دولة يوليو لما يمكن تسميته تقاليد الغناء الرئاسي الجديد اذ أصبح التغني بشخص الرئيس ونظامه الحاكم وبالعروبة وأمجادها جزءا أصيلا مما يعرف بالأغاني الوطنية التي ارتبطت بالمناسبات العامة المختلفة، كعيد الثورة، وعيد العمال، وأعياد نصر أكتوبر المزدوجة (حيث يتم التذكير بها في العاشر من رمضان)، وأعياد تحرير سيناء وعيد المولد النبوي وغيرها. وقد انخرط عدد كبير من الملحنين والشعراء والمطربين في هذا النوع من الغناء حتى من تغنى منهم بالنظام الملكي. أوجد نظام يوليو شكلا جديدا للعلاقة بين الفن والفنانين من ناحية والدولة من ناحية أخرى.
شهدت فترة ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها من سنوات انتهت برحيل نظام الإخوان، استدعاءا/استخداما مكثفا لرصيد/لمخزون ضخم من الأغاني الوطنية المحفورة في الوعي الجمعي من قبل كافة الأطياف والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني المشاركة بغرض الحشد في الساحات أو بهدف السخرية . تنوع هذا الرصيد الذي يمتد لتسعة عقود بين أغاني سيد درويش وأناشيد العهد الملكي (اسلمي يا مصر) وعهد عبد الناصر والسادات ومبارك بما في ذلك الأغنية الوطنية العاطفية كأغنية شادية (يا حبيبتي يا مصر). كذلك شهدت الساحات المختلفة حضورا قويا لألحان الشيخ إمام عيسى من أشعار أحمد فؤاد نجم ونجيب شهاب وفؤاد قاعود وغيرهم. كما شارك عشرات الفنانين وبعض الفرق المستقلة -الذين استشعروا أهمية التفاعل مع الحدث اما عن اقتناع بأهمية المشاركة أو تنصلا من العلاقة القوية التي ربطته بالنظام البائد ورموزه-في احياء كافة الاعتصامات واللقاءات المتلفزة.
كذلك، برزت وجوه جديدة من الملحنين المؤديين عازفي العود المرتبطين بهذا الموروث والذين لاقوا استحسانا جماهيريا واسعا من خلال تجاربهم اللحنية مع أقرانهم من الشعراء مثل تجربة مصطفى سعيد وتميم البرغوثي وكذلك ألحان حازم شاهين من خلال فرقة اسكندريلا وأشعار فؤاد وأمين وأحمد حداد.
تهدف تلك الدراسة إلى تتبع أثر الغناء الاحتجاجي الساخر في مصر منذ حقبة الأربعينيات من القرن العشرين وصولا إلى ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وما سبقها من إرهاصات، وإبراز أهم معالمه من جهة الأسلوب والبناء والعناصر الأدائية.
فلسطين: قرن من الموسيقى والنضال – حازم جمجوم
في هذه المحاضرة يقدم المؤرخ حازم جمجوم تاريخ صناعة الموسيقى في فلسطين الحديثة، بدءًا من فناني التسجيل والإذاعة المنسيين من أوائل القرن العشرين، واستخدام الأغنية والشعر كنشرة ثورية في ثورة 1936، والإذاعة الثورية من المنفى خلال سنوات “المنظمة” والتجارب في إعادة صياغة أشكال وأنواع ثقافة المقاومة التقليدية والعالمية في فلسطين المحتلة منذ سبعينيات القرن العشرين.
لكي نصل الى فهم افضل عن كيفية تداخل الموسيقى والمقاومة في فلسطين، نقنرح أن نفكك المعاني المرتبطة بهذه الكلمات المفاتحية الثلاث: فلسطين، والموسيقي، والنضال.
أولاً: الموسيقى.. مزيج من الإيقاع، واللحن، والروح، يجعل الصوت المنظم ذا معنى.
اتخذت بدايات المقاومة الشعبية للاحتلال البريطاني ودعمه للاستعمار الصهيوني شكل مسيرات ومظاهرات. هتفت الهتافات والشعارات، ودارت حولها نقاشات ساهمت في تعبئة وجمع الناس حول ما يؤيدونه وما يعارضونه. انها دعوة للتنظيم. قصائد، بعضها مُنشد، وبعضها الآخر مُلقى. بعضها بالعربية الفصحى، وبعضها الآخر بالطريقة التي يتحدث بها الناس يومياً في منازلهم – أصبحت هذه الحركات بمثابة جريدة يومية رسالتها التحدي، تلتهم أغنية الزفاف والحصاد، وتتخذ أشكال خاصة بها، دلعونا تدعو الناس إلى الوقوف جنبًا إلى جنب ضد المستعمر، وميجانا تعزي أولئك الذين فقدوا أحباءهم، وقصيدة تحاكي بطولة أولئك الذين وضعوا أجسادهم على المحك من أجل الحرية.
ثانياً: المقاومة.. نعم، صرخات المعركة
الترويدة المُشفرة التي تُرددها النساء، تُخبر الفتيان الفارين من السجن أين يركضون بعد هروبهم، وتتواصل مع المقاتلين على الجبل حيث أقامت قوات المستعمر معسكرها. الأغاني التي تُذكرنا بلحظات صمود الشعب، الأغاني التي ستُعتقل لأنها بحوزة أولئك الاشخاص المستهدفين والتي تُلصقها على شريط أغاني الحب الغربية حتى لا يتعرف عليها الجنود. تُغني أغاني الحب والحزن، لتُذكر نفسك بأنك إنسان، بل ربما أكثر من ذلك. الأغاني التي نُغنيها معًا، نُعيد خلق ذاتنا من خلال صنع الجمال معًا، نُشاهد ونُنصت إلى أولئك الذين عملوا على استخدام فنونهم الموسيقية ليُعبّروا عن هويتنا وإلى أين نحن ذاهبون، وكيف يُمكننا الوصول إلى هناك. نُدندن بهذه الأغاني على الرصيف، ولكن أيضًا يغنيها الاب لطفله لينام في برد ورطوبة مخيم النزوح. نُغني معًا لتلك اللحظة من اليوم التي تسمح فيها لنفسك بنسيان الرعب.
ثالثاً: فلسطين
بلدٌ من نوعٍ خاص، كان يومًا ما موطنًا للجميع، والآن يدّعي المستعمر أنه بلدٌ لنوع واحدٌ فقط. الآن، قرن كامل من “الآن”. فلسطين، التي كانت يومًا ما موطنًا للجميع، لا تزال تُغنّى بها أغلب الشعوب، وأعزّ موسيقانا عن الحرية يُغنّيها أهلنا عبر حدود المستعمرين – مارسيل، إمام، سميح. من جورج جاكسون إلى توماس سنكارا، ومن جُون جوردان إلى أرونداتي روي، فلسطين هي فلسطين، لكنها أيضًا صرخة الحرية التي ينادي بها كل إنسانٍ مُناضل. تحيا فلسطين، من البحار إلى الأنهار في جميع أنحاء العالم. “غزة حرة” في كشمير تعني كشمير حرة، وعلم فلسطين في ديري وبلفاست رايةٌ ضدّ المستعبِد، وكوفيةٌ تُخفي وجهًا مُناهضًا للفاشية هي لكمة في أنف الإمبراطورية. لذا، فإن كل أغنيةٍ للحياة وضد الموت، وكل لحنٍ يُوجّه ضدّ الظلم، هي موسيقى مقاومة في فلسطين.
الأغنية الساخرة في الجزائر: تاريخ وواقع – عبد القادر بن دعماش
يرجع ظهور الأغنية الساخرة في الجزائر إلى مطلع القرن الماضي، والتي استعملها المبدعون من مغنيين مؤديين أو ممثلين، في هجاء أحد شرائح المجتمع نتيجة تطاولهم على العامة.
يُعتبر محي الدين باش تارزي (1898 – 1986) من أكبر الشخصيات الفنية لتلك الحقبة الزمنية التي أبدعت في هذا المجال كما يعد من روادها، حيث قدّم العديد من المقاطع يكشف فيها عن الخصال الرذيلة التي كانت تميّز البعض كالكذب والسرقة. هي عيوب دخيلة أتى بها ما يعرف بـ “النزوح الريفي”، نذكر من بينها أغنية “كحل الراس” التي عرفت رواجا كبيرا آنذاك. تطرق كذلك محي الدين باش تارزي إلى مواضيع أخرى كالصداقة في أغنية “ما بقاش الصاحب” و”علاش ما تستحيش” (لماذا لا تستحي) حين انتقد الأشخاص الماديين الناكرين وخائنين الثقة.
في مواضيع أخرى أكثر جدية، أصدر محي الدين باش تارزي أغاني ثلاث تحت الاسم المستعار “المحتجب الجزائري الشهير” مخاطبا المستعمر الفرنسي الغاشم، عناوينها “أنت الجزائر” و”يا بلادي”، وأبرزها كانت ترجمة هزلية للنشيد الوطني الفرنسي إلى اللغة العربية، التي نالت الكثير من الإعجاب في صفوف الحركة الشعبية ضد المستعمر، سجلها في أسطوانات 78 لفة عام 1933 لدى بيضافون للمنتج اللبناني الشهير من عائلة بيضا.
محمد الكمال (1919 – 1956) هو شخصية فنية شهيرة أخرى برز في هذا النوع الموسيقي. قال في إحدى أغانيه سنة 1939 لدى منشورات باتي قاصدا الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا = قبيل اندلاع حرب التحرير الوطني “لا خير في ناكر الخير”، كما استعمل قصيدة من التراث الشعري الشعبي المسماة “المشحاط” أو السوط عنوانها “البلاء في الخلطة والربح في الاعتزال” الخلطة أي الامتزاج.
نشط العديد من الفنانين البارزين في الأغنية الهجائية كالشيخ الحاج امحمد العنقاء مؤسس النوع الموسيقي الشعبي والشيخ مريزق، والشيخ سليمان عازم الذي روّج الأغنية الهجائية باللغة الأمازيغية في العديد من أعماله، “أفاغ أيا جراد” (ارحل أيها الجراد من بلادي) أفضل مثال للأغنية الساخرة بالجزائر، سجلها سنة 1955 بعد سنة واحدة من اندلاع ثورة التحرير الوطني، وكلفته العديد من الصعوبات في مساره الفني والشخصي. وقال في إحدى اللقاءات الصحفية: “طالما كنت مستهدفا من طرف السلطات العمومية التي تكتفي بالقراءة الأولى في الحكم على أعمالي”.
من بين الشخصيات المهمة التي تميّزت بالهجاء والأغنية الساخرة بصفة عامة، لابد أن نذكر ذلك الفنان الذي غاص في غمار النقد الاجتماعي، وسطر لنفسه هدف الكشف عن كل صفات التعسف والتجاوزات والفساد والمحسوبية والمحاباة وأي ظلم مس المواطن المستضعف. سجله الغنائي يعكس الواقع الحقيقي للمجتمع، قال بصوت عالٍ ما كان يفكر فيه الجميع. هو أحمد صابر الذي ولد سنة 1937 ووافته المنية سنة 1971. هو فنان متكامل كونه ممثل ومغني، الذي عبر العديد من الأغاني، نذكر منها “بوه بوه الخدمة ولات وجوه” (آه! أصبح العمل بالمحسوبية)، و”يجي نهارك يا خاين” (جزاؤك قريب يا أيها الخائن)، و”تبدل الزمان” (الزمن قد تغير)، و”الوقتية” و”بياع البطاطا” (بائع البطاطا). أبدى عن انزعاجه من تصرفات البعض في الفترة ما بعد الاستقلال، وبهذا أصبح من رواد الهجاء وأبرز من عمم لهذا النوع الغنائي بكل شجاعة وكلفه ذلك العديد من الاعتقالات والحبس بسجن وهران لمدة معتبرة إلى أن تدخل رئيس الجمهورية آنذاك وأمر بتسريحه سنة 1964.
رشيد القسنطيني (1887 – 1994) هو الآخر كان ميالا إلى مجال الأغنية الفكاهية والساخرة وجعل منه نقطة قوته. وعمل على كل الأصعدة لإيصال رسالة الوطنية والاتحاد والهوية الجزائرية. أنتج العديد من المسرحيات والمشاهد الكوميدية والأغاني الفكاهية، مجسدا في أغلب الأعمال شخصيتان أو ثلاثة من الواقع بطريقة هزلية. هو فنان متعدد المواهب فكاهي وممثل ومؤلف موسيقي ومغني وعازف، وهو من مؤسسي المسرح الجزائري المعاصر سنة 1926. من أبرز أغانيه نذكر: “اشطح اشطح يا لولو” (ارقص ارقص يا لولو) و”قالوا قلنا” و”من تحت العجار” (العجار: هو ستار للمرأة)، وأصبح قدوة فنية اقتدى بها العديد من الفنانين أهمهم محمد توري الذي سجل اسمه بحروف من ذهب في تاريخ المسرح والموسيقى بالجزائر متبعا خطى رشيد القسنطيني في سنوات أربعينات وخمسينات القرن العشرين، إلا أن خالفه في المواضيع التي تطرق لها حيث عالج في أعماله قضية الهيمنة والاستيطان وتدهور المستوى المعيشي من بين مواضيع أخرى وذلك قصد توعية وإيقاظ الضمير في المجتمع. توفي محمد توري أيام قليلة بعد إطراق صراحه أين شهد أبشع أنواع التعذيب. من أبرز نجاحاته الفنية نذكر على سبيل المثال لا الحصر: “فلوس فلوس” و”هذه هي السامبا” (رقصة لاتينية) و”أنا مليت” و”شيري حنوني” (يا عزيزتي).
كان هذا في ما يخص المؤسسين، أما بالنسبة إلى الفنانين المعاصرين فهنالك ثلاثة أسماء فنية تنفرد عن آخرين لا يقلون أهمية، أولهم الفنان الثائر معطوب الوناس المتكلم باللغة الأمازيغية والمدافع عنها بشراسة، اشتهر اسمه وتعلق بالأغاني النقدية للنظام بالجزائر في سنوات التسعينيات، مخاطبا المواطن والمسؤول بلغة مباشرة حادة وبدون مماطلة عن المسائل السياسية المرتبطة بالهوية والاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية للدولة وكذا التسيير الذي كان يراه كارثي لمكافحة الإرهاب خلال العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر. تم اغتياله في 25 جوان 1998 بولاية تيزي وزو في الجزائر، لكنه يبقى إلى يومنا أيقونة الموسيقى الأمازيغية الجزائرية وتبقى أغانيه مسموعة ولها التأثير نفسه لدى الجميع صغارًا وكبارًا. كان معطوب الوناس ممنوعًا من الظهور في التلفزيون الجزائري، وقبل مقتله بفترة قليلة أصدر ألبومًا تضمن أغنية ينتقد فيها النظام الجزائري مستخدمًا لحن النشيد الوطني عنونها “ذوغروم” (الخداع).
ثانيا، نذكر الفنان أحمد بناصر الذي ولد سنة 1930 وتوفي رحمه الله سنة 2006، هو ممثل وفكاهي ومغني كأسلافه من الفنانين المتكاملين كمحمد توري، رشيد القسنطيني وفيما بعد جعفر بك وآخرون. له العديد من الأعمال في نوع الغناء الساخر والفكاهي نذكر منها: “خالتي حليمة” و”يا ناس راني مباصي” (إنني في ورطة) و”ما أنا إلا جيعان” (جوعان).
ثالث شخصية غنائية بارزة في الأغنية الساخرة، الفنان الحالي الشهير بـعزيز الذي ولد سنة 1963 بشرشال التي تبعد عن العاصمة بحوالي 100 كلم. هو فنان معاصر لا يزال يخوض غمار الهجاء منذ تسعينيات القرن الماضي حين أصدر أغنية “Ana el youm je m’en fous” (أنا اليوم لا أبالي) وأحدث بها زوبعة ما بين المؤيدين والمنتقدين، والتي كانت تشير إلى المتنازعين السياسيين لتلك الفترة، أتبعها فيما بعد بالعديد من الأغاني في نفس السجل مثل “Café de l’indépendance” (مقهى الاستقلال) و “coyote” (الذئب) و “Le rebelle” (المتمرد).
إحصائيا، صحيح أن هذا النوع الموسيقي لم يحظَ بالاهتمام الكافي من طرف الفنانين بصفة عامة وخاصة الناشرين. والسبب الرئيسي هو عدم قدرة القوات المستعمرة ونظام ما بعد الاستقلال على استيعاب الانتقاد والسخرية التي يعبر بها الفنان عن انشغالاته وتوصيل صرخة المجتمع للآذان التي يرجى أن تكون مصغية.
من “مقبرة الأناضول” إلى حصاد القطن: تسجيلات صوتية مبكرة تؤرخ لتحرر اليمن (عدن، 1935-1965) – جان لامبرت (بمساعدة رفيق العكوري)
يمكن تتبع إنتاج الأغاني الاجتماعية والسياسية الناقدة والساخرة في اليمن من ثلاثينيات القرن الماضي، ومن التسجيلات التجارية الأولى في إسطوانات 78 دورة في الدقيقة في عدن، على الرغم من أن بعض كلمات الأغاني تعود إلى ماضٍ سابق بكثير. لقد سمح الجو الليبرالي إلى حد ما لمدينة عدن، التي كانت تحت الاحتلال البريطاني، بالتعبير عن الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية المُلحة، إلى جانب إنتاج غالبية الأغاني الغزلية.
خيّلت بارق لمع
نستطيع ان نذكر نصًا من أقدم النصوص الغنائية، “خيلت بارق لمع”. كان في الواقع أغنية قبلية تحتفل بانتصار عسكري على جيش الاحتلال العثماني التركي في عام 1905 في شمال اليمن:
خيـّلت بارق لمع من فوق صنعاء
حن رعده وسيله وشل حاشد وبكيل
يا طير يا عازم بريش بلـّغ سلامي
للمشير بن فيضي ذي ما قدمه قوم النفير
وحنا طلبنا الله يافاك العسار
كريم يا رحمن عجـّل بالفرج
طوقت قبائل حاشد وبكيل الجيش التركي بقيادة الجنرال فايزي، على الرغم من قوته المدفاعية، وقاموا بذبحهم جميعا. هذه المعركة يسميها اليمنيون “مقبرة الأناضول”. وقام الفنان ابراهيم محمد الماس ( ت 1966م) بغنائها بمصاحبة العود والكمنجة نهاية الثلاثينات وقد تم تسجيلها على اسطوانات اوديون التي تحمل رقم 158-159.
السيارات الأولى في عدن
تم استحضار وصول السيارات الأولى إلى عدن، بين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، باعتباره حدثًا غريبًا وساخرًا. هذا ما تظهره أحد اغاني الفنان عمر محفوظ غابة:
مواتر اشكال والوان ولكن اجوا بآخر الزمان
شهرين منه تكسب لوما الدريول يلعب
ثالث شهر اتعجب عند الانجنير قده خربان
هذه الأغنية المضحكة تسخر من السيارات الأولى التي تصل إلى عدن، والتي تنهار بسرعة: عجلة القيادة لديها تعاني من بعض الركود بعد شهرين، وبعد ثلاثة أشهر تتعطل السيارة وتنتهي عند «الانجنير» (اي المهندس باللغة الإنجليزية). تم تسجيل هذه الأغنية من قبل الفنان عمر محفوظ غابة، الذي قضى جزءًا من حياته الفنية في عدن وفي الخليج.
اوكيه ماي دارلينج اوكيه
أغنية أخرى جديرة بالانتباه ومن نفس المغني غابـّة، هي الحوار بين رجل وامرأة، والذي يستخدم العديد من الكلمات الإنجليزية في النص العربي، تحت عنوان: “اوكيه ماي دارلينج اوكيه” (حسنًا يا حبيبي حسنًا). هذا بالطبع للسخرية من البريطانيين الموجودين في عدن، وخاصة من حرية المرأة البريطانية، والتي كان وضعها عكس وضع المرأة اليمنية. ظروف تسجيل هذه الأغنية مثيرة للاهتمام تاريخيًا. لقد حدث أنه في عام 1935، سجلـّت لمجموعة من المطربين اليمنيين (وكذلك من الكويت) العديد من الاسطوانات 78 دورة في الدقيقة في مدينة حلب، في شركة صدوا السورية، ولكن بالتعاون مع شركة جعفرفون اليمنية. تشهد لاصقات إسطوانات للشركتين على هذا التعاون المذهل في ذلك الوقت، على الرغم من أننا لا نعرف تفاصيله. تم تسجيل هذه الأغنية في هذه السلسلة برفقة عازف العود السوري المعروف نوري الملاح، وكذلك “الآنسة نجاح”، كما يدل الاعلان الصوتي، والتي لم يتم تحديد هويتها بالضبط بعد (على عكس ما قد يعتقده المرء، لم تكن المطربة اللبنانية نجاح سلام، لأن تلك الأخيرة ولدت عام 1931).
قصيدة الشلن
في عام 1937، تم فصل مستعمرة عدن عن سلطة نائب ملك الهند البريطاني لتصبح مستعمرة مستقلة عن اليمن (عدن، “مستعمرة التاج”). وتبع ذلك العديد من التحولات الإدارية والاجتماعية، وترك هذا الحدث بصمة لا تمحى في المجال الموسيقي، بما فيه تأسيس شركة تسجيل محلية في نفس العام أو في 1938 تحت اسم التاج الأدني (Aden Crown).
بعد ذلك بفترة قصيرة، طاولت التأثيرات العُملة. تم استبدال الروبية الهندية بشلن شرق إفريقيا. على ما يبدو، لم يعجب اليمنيين هذا التغيير، كما يتضح من أغنية تنتقد الشلن، باسلوب حديث الشارع. قام الشاعر مسرور مبروك بكتابة قصيدة ساخرة توصف فيها حالة الارباك التي حصلت بسبب تغيير العملة وقام الفنان صالح الزبيدي بغنائها وتسجيلها في 1950 باسطوانات طه فون برقم – 124 123:
شل الشلن واصرفه سنتات أما زمان الروبية قد فات
جاب الشلن بين الأوادم عشبكات
شل الشلن شل
صرف الثلاثة شلن بميات ثلاثمائة سنت معدودات
وإذا صرفت الألف عبّي جونيات
شل الشلن شل
إنجلترا جابت الشلنات سوّت لنا في البلد ربشات
اصرف شلن واحمل شليته ويسرات
شل الشلن شل
من الورق أوجدت بندات أنواط رصّات في رصات
البعض منها قديمة باليات
شل الشلن شل
على الشلن تسمع الهدرات وسط المقايل وفي السمرات
تسمع لك الكعكعة والدردشات
شل الشلن شل
يتربّشوا الناس في العدات يتحاسبوا من عشر مرات
حسابهم في كل لحظة لخبطات
- * *
تم تسجيل “ليلى والمجنون” على سبيل المثال في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي (Aden Crown)، وهو دويتو تواجه فيه ليلى رفض والدها زواجها من مجنون.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى الحدث التأسيسي لـ “الندوة العدنية”، وهي نادٍ ثقافي اهلي منبثق عن النخب الفكرية في عدن، والذي سجل ونشر عددًا من الاسطوانات ذات 78 دورة في الدقيقة تحت علامة شركة سريعة الزوال (1949). كانت في الغالب أغاني حب، ولكن منشورة بالفعل بروح وطنية وتعاونية، لأن هذه التسجيلات تم نشرها بطريقة غير تجارية. ولكن بعد ذلك لفترة قصيرة في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، بدأت الأغاني الملتزمة حقًا في الظهور مع الحركة المناهضة للاستعمار البريطاني في عدن.
“با نجناه” (نحن سنحصد القطن)
ولمراعاة هذا التطور الاجتماعي – السياسي بطريقة أكمل، يجب علينا أن نتخطى زمنيا تكنولوجيا التسجيل التي سوف تحل تدريجيا محل الاسطوانات 78 دورة وهي الشريط المغناطيسي (reel tape)، الذي أصبح يستعمل في البث على الراديو أو في الحيز الفردي والخاص من 1950 إلى 1960. كان المغني فضل اللحجي هو الذي قام بتسجيلات ذات طابع سياسي على الشرائط المغناطيسية فقط في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي ، بعد أن قدم العديد من الأغاني الرومانسية على اسطوانات 78. نذكر منها أعنية وطنية بعنوان “با نجناه (القطن)”، والتي تحمل معنى ضُمني هو “بدون البريطانيين”:
بانجنـــــاه من غصنه وا هـابوي من حسنه
قالوا لنا غيركم جابه يبا يحتل جابه مثيل الشلل
يقضي على كل مفصل (…)
والله والله ورب العرش ما نحتل
لا ذا ولا ذا حصل إلا إذا الكل يقتل
ويقال إن القطن أُدخل في اليمن الجنوبي في عام 1954 كشكل من أشكال الزراعة الصناعية. وفي الأغنية، نشعر بإزدواجية بين الإعجاب بهذا الإنتاج الجميل الذي يرمز إليه بلونه الأبيض كرمز النقاء من جهة، ومن جهة أخرى الازدراء كون أن البريطانيين يستفدون بالجزء الأكبر من أرباح هذا الإنتاج، بينما اليمنيون يكتفون بدور ثانوي كعمال المزارع. ويلاحظ في النص الكامل أنّ كلمة القطن لم تُذكر بنفسها، وإنما يُستدل إلى القطن فقط بكلمات شعرية مثل “الذهب الابيض”، الخ… لذلك يشير موضوع القطن في هذه الاغنية الى الاحتلال البريطاني وفي نفس الوقت إلى وعود تحرير الوطن، حيث سيتمكن الشعب اليمني من الاستفادة من زراعة القطم بالكامل عندما يتم تهجير البريطانيين من اليمن.
الاستنتاج
في الختام، يمكن القول اننا ما زلنا في بداية دراسة موروث الأغاني الاجتماعية والسياسية الساخرة في عدن رغم إنها ضرورية للغاية، لأن هذه الذاكرة الجماعية للمعارك الماضية قد أصبحت في النسيان، سواء بسبب التغيرات الاجتماعية والسياسية، أو بسبب التغيرات التكنولوجية التي تمحو رصيد الاعمال عندما لا تنتقل المحتويات من حامل إلى آخر مستجد (الاسطوانة الى الشريط)، ولا من جيل إلى آخر.
الجلسة الختامية – اعداد أكرم الريس
أبعد من الحدود الجيوسياسية: خلاصات وتوجهات مستقبلية
بعد ان حاولنا الاضاءة على التاريخ المعاصر والواقع الحالي للاغاني الساخرة في بلاد الشام ومصر والجزائر والمغرب واليمن، نسعى في هذه الجلسة الختامية ان نعبر معايير الحدود الجيوسياسية القائمة لنبحث في شؤون تلك الاغاني من زوايا مختلفة وعبر ثلاثة محاورة رئيسة.
في المحور الاول ننطلق في نقاشنا عن الخصائص الجامعة والمتغيرة للموروث الغنائي الساخر من المستوى المحلي ما بين المراكز والاطرف والنُظم الرقابية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الى المستوى الاقليمي حيث نُقدم حيز مقارن بين دول المشرق والمغرب، لنصل بعده الى المستوى الثالث وهو يتكون من الاسئلة التي تبرز عن موضوع البحث في مدار بلاد الجنوب العالمي. اما في المحور الثاني، فيدور النقاش حول ميراث الاغاني الساخرة ورصيدها الحالي من منظورات الجندر والاثنية والطبقات الاجتماعية. ويركز المحور الثالث على الاطر المنهجية والنظرية المتعددة الاختصاصات وما يمكن ان تقدمه من مفاهيم ووسائل ومقاربات نقدية حركية اضافية لموضوعنا.
تختتم الجلسة أعمالها بالنظر الى مستقبل مسار الاغاني الساخرة في بلادنا وما يقترحه الباحثون المشاركون والجمهور في هذا المضمار بناءً على ما تم تقديمه في كافة انشطة وفعاليات البينالي على مدى خمسة أيام
